رأي

عن مستقبل الصين في أميركا اللاتينيّة

كتب إميل أمين, في العربية:

هل خسرتْ الصينُ الكثيرَ بعد القبض على الرئيس الفنزويليّ نيكولاس مادورو، وهل تقلَّصَتْ رقعةُ نفوذها في هذا البلد اللاتينيّ الصديق؟
يبدو أنّ هذا التساؤل يشغل عقل المراقبين السياسيّين للمشهد الدوليّ، وبخاصّة في ظلِّ العلاقات الصينيّة–الفنزويليّة التي بلغتْ حدًّا غير مسبوق في العقدَيْن المنصرمين.

ولعلَّه من متناقضات القدر أنّه قبل يوم واحد من اختطاف الرئيس الفنزويليّ ونَقْله إلى الولايات المتّحدة، التقى مادورو مع “تشيوشياوتشي”، الممثّل الخاص للصين لشؤون أميركا اللاتينيّة، ووفقًا للتلفزيون الفنزويليّ VTV كان مادورو يُعرب عن امتنانه لعلاقات الأخوّة والصداقة المتينة التي أظهرها قادة الصين عبر توقيع نحو 600 اتفاقيّة، وغالب الظن أنَّ الهدف من الزيارة كان مراجعتها.

والشاهد أنّنا أمام عدّة تساؤلات حيويّة لفهم مقدار الضرر الذي لحق بالصين والبداية من عند: “كيف رأت بكين ما جرى في كاراكاس؟”.
أظهرت قراءاتٌ عدّة نُشِرت في عددٍ واسع من الصحف الصينيّة الرفضَ القاطع لما حدث، معتبرين إيّاه خرقًا لقواعد القانون الدوليّ، ومبادئ ميثاق الأمم المتّحدة، وسقوطًا مدوّيًا لفكرة الدولة الويستفاليّة، وتكرارًا لأسلوب أميركا المعتاد عبر الهيمنة على الضعفاء والصغار بقوّتها وحجمها.
يقطع الصينيّون بأنّ واشنطن في عهد الرئيس ترمب، قد بالغتْ بقوّة غير مسبوقة في نزعتها المارقة، وأنّ ترمب تجاوز كلَّ ما هو مألوف ومعروف وموصوف من القواعد المُتَّفق عليها أمميًّا، لا سِيَّما منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية وحتّى الساعة.
الراسخون في المعرفة الصينيّة، يعرفون أنّ عام 2026 هو عام الحصان في الداخل، والحصان قوّة قياس معروفة، لكن الصينيّين يقولون بأنّهم على شكٍّ ممّا إذا كان ترمب قد امتطى صهوة جواد قويّ واثق من نفسه، أم حمارًا ضعيفًا عنيدًا، قد يقود بخطواته هذه بلاده عبر ما لا تُحْمَد عقباه.

ماذا تعني العبارة السابقة؟
تعني في واقع الأمر محاولةً لفتح مساقات التساؤل حول مآلات هذه العمليّة لا في فنزويلا فحسب، بل في عموم القارة اللاتينيّة بدايةً، وعبر أرجاء العالم الواسع تاليًا، وتدفع البشر للتفكير في معنى ومبنى الإمبرياليّة، ذلك الداء البشريّ القديم، والذي يتجدّد في حاضرات أيّامنا عبر إدارة الرئيس ترمب.
ليس سرًّا القول إنَّ الصين قد استثمرت مليارات الدولارات في فنزويلا منذ العام 2002 في عهد الرئيس الفنزويليّ السابق هوغو تشافيز، كما أنّها تدينها بالكثير جدًّا من الأموال، وهذه وتلك تبدو في مهبّ الريح لا سِيّما بعد أن أعلن الرئيس ترمب أنّ الولايات المتّحدة هي التي ستقود فنزويلا إلى حين تحقيق ما يراه انتقالًا آمنًا وسليمًا وحكيمًا للسلطة.
ترمب ادّعى أنّ قطاع النفط الفنزويليّ متوقف منذ فترة طويلة وأنّ شركات أميركيّة كبرى ستدخل البلد لإصلاح البنية التحتيّة وبدء توليد الإيرادات للبلاد… ما معنى ذلك؟
باختصار غير مُخِلّ، يفيد المشهد بأنّه في المستقبل لن يتمكَّنَ أيُّ شخص يمسك بزمام السلطة في فنزويلا من الإفلات من سيطرة الولايات المتّحدة، وعليه فإنّه من غير المُرجَّح أن تعود العلاقات الصينيّة الفنزويليّة إلى ما كانت عليه في السابق، الأمر الذي يفيد بخسارة فادحة للصين، سواء تعَلَّقَ ذلك باستثماراتها وديونها لدى فنزويلا من جهةٍ، أو بالمستقبل من جهةٍ ثانيةٍ، لا سيّما أنّ فنزويلا كانت في نظر رجالات الحكم الصينيّ، نقطة انطلاق قويّة ومركزيّة في قلب القارة اللاتينيّة.
لا تتوقف الخسائر الصينية عند حدود فنزويلا في واقع الأمر، ذلك أنه بالنسبة لبعض دول أميركا اللاتينيّة التي تربطها علاقاتٌ وثيقة بالصين، فإنّ نهج واشنطن القمعيّ على الرغم من كونه متسلّطًا، من المرجّح أن يكون له تأثيرٌ مرعب، ممّا يجبرها على إيلاء مزيد من الاهتمام لحساسيات الولايات المتّحدة عند السعي إلى التعاون مع الصين.
من هنا، يمكن للمرء أن يتساءل: هل يمكن للصين أن تقبل فكرة خسارتها للقارة اللاتينيّة بما فيها من فرص مزدوجة تتمثّل في الموادّ الأوّليّة وعلى رأسها النفط والغاز والمعادن النادرة من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى تُعَدُّ القارّة برُمَّتها أرضًا خصبة لرؤية بكين الخاصّة بالطريق والحزام، أي إحياء طريق الحرير، في مراحله التالية بعد الانتهاء من أوروبا وأفريقيا وبقيّة آسيا، أي أرجاء العالم القديم والفسيح.
الشاهد أنّ الذين قُدِّر لهم قراءة البيان الرسميّ الذي صدر عن الحكومة الصينيّة يدركون مقدار الغبن الواقع على النفوذ الصينيّ المستقبليّ من جَرَّاء ما أطلقتْ عليه وزارة الخارجيّة الصينيّة “زيف الادّعاء بمحاربة الإرهاب المرتبط بالمخدرات، وفضح الوجه الحقيقيّ للإمبرياليّة الساعية للقفز على موارد الأمم ومصائر الشعوب”.
هل كان على الصين أن تتوقَّعَ ما حدث في الداخل الفنزويليّ، قبل أن تجري به المقادير؟
مؤكَّد أنّ أمرَيْن حَدَثَا كانَا بمثابة قرع أجراس الإنذار:
الأوّل: هو صدور إستراتيجيّة الأمن القوميّ الأميركيّة الأولى في عهد إدارة ترمب الثانية، وذلك في الرابع من ديسمبر/ كانون الثاني المنصرم.
وعلى الرغم من أنّ الإستراتيجية لم تذكر الصين بالاسم، إلّا أنّها جاءت تنصّ على أنّها ستمنع “المنافسين من خارج نصف الكرة الأرضيّ الغربيّ من نشر قوّاتهم، أو من امتلاك أو السيطرة على أصولٍ حيويّة إستراتيجيّة، إضافةً إلى ذلك فإنّه يتوجّب على المسؤولين الأميركيّين فهم معنى ومبنى “النفوذ الأجنبيّ العدائيّ” بصورةٍ أوسع وأشمل، ما يقطع الطريق على بكين أو غيرها من القوى الناهضة لترسيخ حضورها في الخلفيّة الجيوسياسيّة للولايات المتّحدة الأميركيّة.
الثاني: أنّه في 15 ديسمبر الماضي أيضًا، استولتْ الولايات المتّحدة على ناقلة نفط قرب المياه الفنزويليّة بدعوى أنها خاضعة للعقوبات، ووفقًا للجنة المختارة بمجلس النواب الأميركيّ المعنيّة بالمنافسة الإستراتيجيّة بين الولايات المتّحدة والحزب الشيوعيّ الصينيّ، فإنَّ ناقلة النفط التي تم الاستيلاء عليها لها صلاتٌ مباشرة مع الصين.
هل يتوجَّب على الصين القبول كطرف مذعن بهذا الوضع الجديد، أم أنّه عليها المواجهة والمجابهة حتّى لو تحوَّل الأمر إلى صدامٍ عسكريٍّ مسلَّحٍ؟
الجواب كما يتبدّى واضحًا من متابعة وثيقة لصيقة للمشهد الصيني، وهو أنّ الصينيين يرون في أنفسهم دولة مُحبّة للسلام – أو هكذا يَدَّعون – وعلى الرغم ممّا جرى، فإنّهم لا يميلون إلى المواجهة المسلّحة والدخول في حروب إلّا عند الضرورة القصوى.
لكن ولكي يبقى الجوابُ واضحًا بما يكفي، ربّما يتوجّب علينا العودة والقراءة المعمّقة لما يعرف بِـ”ورقة الصين السياسية الثالثة” بشأن العلاقات مع أميركا اللاتينيّة، وفيها نجد إشارات كافية للقطع بأنّ بكين لا تنوي التنازل عن أيّ مكتسبات أحرزتْها خلال العقدَيْن الماضيَيْن في القارة الأميركيّة اللاتينيّة.
وعلى النقيض من تركيز الولايات المتّحدة على الانعزاليّة، ترفع الصين راية “الجنوب العالميّ”، وترى أنّ أميركا الجنوبيّة وبحر الكاريبي، منطقةٌ تتمتع بتقاليد عريقة في الاستقلال والوحدة من أجل القوّة، كما تبدو الآفاق أمامها مشرعة لتضحي قوّةً أساسيّة في مسيرة التحَوُّل نحو عالم متعدد الأقطاب وعولمة اقتصادية عادلة.
في الوقت عينه، وفي الورقة عينها، تصرّح بكين بأنّها لا تستهدف أو تستبعد أيَّ طرفٍ ثالث، كما أنّها ليست خاضعةً لأيِّ طرفٍ ثالث.
الخلاصة، كونفوشيوس وأرسطو على موعدٍ في أقصى الكرة الجنوبيّ الغربيّ.. ماذا يعني ذلك؟ إلى قراءةٍ متمّمة ومكمّلة بإذن الله.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى