عندما يقوّض ترامب النظام الدولي

كتب رفيق عبدالسلام في صحيفة العربي الجديد.
يبدو الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منهمكاً، بوتيرة سريعة، في تفكيك النظام الدولي الذي صنعته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وورثت الكثير من امتيازاته ومعالمه من الإمبراطوريات الاوروبية الغاربة التي ورثتها، وخصوصاً من بريطانيا التي غابت عنها الشمس. وعملت واشنطن فيما بعد على ترسيخ أسس هذا النظام وتوسيع أذرعه في تسعينيات القرن الماضي بعد نهاية الحرب الباردة، وتفكّك ما كانت تسمّيها إمبراطورية الشر. وفي مثل تلك الأجواء المفعمة بالانتصارات الاحتفالية البهيجة، صعدت مقولات نهاية التاريخ، وما سمّي القرن الأميركي الجديد والزمن الأميركي وما شابه. ثم لم يمضِ عقد، حتى تبيّن أن الأمور باتت أكثر تعقيداً مما حلم به المحافظون الجدد ومنظّروهم، من ريتشارد بيرل وبول وولفوفيتز ووليام كريستول، وكأن الجغرافيا هنا انتقمت من التاريخ، إذ استعادت مكانتها المغيّبة في زحمة أيديولوجيا الانتصارات والمابعديات. تمكن الرئيس الروسي بوتين في حقبة ما بعد يلتسين من إعادة بناء الجيش الروسي المنهك، ومعه الإرث الامبراطوي الذي ظنّ كثيرون أنه ذهب إلى غير رجعة. وتمكّنت الصين، بموازاة ذلك، بصمت، من تشييد قاعدة صناعية صلبة ومدّ أذرعها التجارية في مختلف القارّات، مع تقوية جيشها وقدراتها العلمية بعد تجربة انفتاح ناجحة قادها دينغ سيو بنغ منذ السبعينيات.
استفاقت واشنطن على وقع مغامرات عسكرية غير محسوبة في الشرق الأوسط، بعد ظهور نذر هزيمتين مكلفتين في العراق وأفغانستان، فوجدت المعطيات تغيرت من حولها والأرض اهتزّت من تحتها، وهنا تبين لها أن نظرية إدماج الصين في النظام الليبرالي الدولي، بما في ذلك استيعابها في منظمة التجارة العالمية وسائر المؤسسات الليبرالية الأخرى تسير في نهاية المطاف لمصلحة بكين واقتطاعاً من أرصدة واشنطن الغارقة في متاهات الصراعات الكثيرة ونسب مديونية متنامية. ما أوقع الأميركان في هذا الخطأ القاتل انتصارات الحرب الباردة التي أوحت لهم بأنهم يمثلون صوت الحاضر والمستقبل في غياب منافسة دولية جدّية، وقد تبين هنا أن استعادة نظرية الاحتواء التي تعاملوا وفقها مع الاتحاد السوفييتي لم تعد تسعف، خصوصاً أن التنّين الصيني أظهر استعصاءً على الاستيعاب والاحتواء، مع التظاهر بالضعف، إن لم أقل التماوت. كذلك فإن السردية المهيمنة في مجال العلوم الاجتماعية، التي رُوِّجَت وأُعيد إنتاجها في مراكز التفكير والتخطيط الأميركيين قد غذّت القناعة بأن اتجاه الصين نحو اقتصاد السوق لا بد وأن يسوقها، إما نحو تبنّي النظام السياسي الليبرالي المعولم، ومن ثم تحويلها مجرّد ترس كبير في ماكينة رأسمالية أكبر منها، أو انفجار وضعها الداخلي على طريقة بيروسترويكا غورباتشوف. ولكنها كانت، في ما يبدو، أقدر وأسبق على احتواء نظريات الاحتواء عبر مزيج من إحلال رأسمالية، تحت عنوان اشتراكية بمواصفات صينية، ثم إعادة تأهيل نظامها السياسي تحت سقف الحزب الشيوعي ولجنته المركزية ومكتبه السياسي. هكذا تبخرت نبوءات الأميركان في الهواء، ووجدوا أن الواقع أكثر صلابة من النظريات والأيديولوجيات والمبشرات.
قلب ترامب الطاولة على الخصوم والحلفاء على السواء، في إطار تصميم ثابت على تفكيك منظومة ليبرالية ما عادت تلبي مركزية الولايات المتحدة وتحكمها في خطوط المال والتجارة والصناعة
مثلت حقبة أوباما مراجعة جدية لمرحلة المحافظين الجدد الغارقين في رمال الشرق الأوسط المتحركة تحت تأثير الحسابات والأولويات الإسرائيلية. ومن هنا بدأ تطويق الصين بالانتشار العسكري الواسع في المحيط الهادي وبحر الجنوب وبالتحالفات العسكرية متعدّدة الأطراف، مع تركيز الاهتمام على الحزام المباشر، وخصوصاً الهند واليابان والفيليبين، لإحكام الطوق حول رقبة الصين، وما بدأه أوباما استكمله بايدن بتشكيل تحالفات عسكرية واستراتيجية ماكرة، ومن ذلك مجموعة الكواد ذات الطبيعة الأمنية الاستخباراتية التي تضم الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا وقبل ذلك مجموعة أوكوس التي تشكل تحالفاً عسكرياً صلباً بين نواة ثلاثية تضم أميركا وبريطانيا وأستراليا.
إلا أن عملية التطويق الأميركي بالجيوش والاقتصاد التي انتهجتها الإدارات الأميركية السابقة تحولت مع ترامب إلى تغيير قواعد اللعبة، وقلب الطاولة على الخصوم والحلفاء على السواء، في إطار تصميم ثابت على تفكيك منظومة ليبرالية ما عادت تلبي مركزية الولايات المتحدة وتحكمها في خطوط المال والتجارة والصناعة، وقد أخرج ترامب في ولايته الثانية بلاده مما يزيد على 60 منظمة دولية، ونقض كل الالتزامات السابقة تقريباً. وهنا لا حاجة لاستدعاء القاموس الليبرالي من قوانين دولية وحقوق إنسان وديمقراطية وما شابه ذلك، ولا تحضر إلا لغة القوة والمصالح والصفقات والأرقام ولا شيء غير ذلك، أي الانتقال من الازدواجية في إدارة المصالح واستخدام القوة ضمن نطاق محسوب بغطاء أخلاقي ملبرل إلى تغييب المسافة الفاصلة بين الخطاب والممارسة، إذ لا حرج في تبرير التدخلات واستخدام القوة من أجل النفط والمعادن النادرة وافتكاك الأموال وفرض الصفقات.
الولايات المتحدة قوة جبّارة ولديها سبق عسكري ومالي واقتصادي على كل القوى المنافسة تقريباً، مستندة إلى قوة الدولار وانتشار القواعد في البحار واليابسة
ورغم أن ترامب لا يصدر عن عقيدة سياسية وأمنية منسجمة ومتماسكة، بقدر ما يصدر عن خليط من الأفكار والانفعالات والشعارات، وما يقوله اليوم قد ينقضه من الغد، ومع ذلك القدر الواضح في توجهاته يشير إلى أنه يكره العولمة والاقتصاد الحر وينبذ الشراكة مع الحلفاء، ويحبّ المال والنفط والأسواق وصفقات الإذعان، ويضع مصالح الولايات المتحدة المتداخلة مع مصالحه الشخصية فوق كل الاعتبارات. أما الحروب التي حمل فيها بشدة على أسلافه، فهي التي تجلب الخسائر المالية والبشرية، ولكن إذا كانت حروباً خاطفة ومن دون خسائر كبيرة وتنتهي بسحق الخصم أو إذعانه وذهابه نحو صفقات مربحة على غرار الحرب الخاطفة على فنزويلا واختطاف رئيسها، فلا غضاضة فيها.
تعبّر استراتيجية الأمن القومي الجديدة، بشكل أو بآخر، عن مشروع ترامب، وخصوصاً في نظريته المتعلقة بمجال النفوذ التي استعاد فيها مقولة مونرو (1823)، ولكن بمتن ترامبي، مدّدها إلى كل الشق الغربي من الكرة الأرضية، كذلك فإن مجلس السلام الذي أقامه على مقاسه ونصب نفسه فيه رئيساً “أزلياً” يعكس، بشكل أو بآخر، رؤيته في إدارة نظام دولي على هواه وبلا شراكات أو مزاحمات. والمفارقة العجيبة أن ترامب الذي دخل البيت الأبيض محمولاً على شعارات أميركا أولاً وبلا حروب، باتت مصالحه تتقدم على مصالح، وترجح مصالح إسرائيل على الجميع.
لا يتردّد ترامب اليوم في تجريع شركائه من ذوي نادي الامتياز ذات السم الذي جرّعته أميركا للضعفاء من دول العالم الثالث، من الحروب التجارية والعقوبات، إلى التهديد بالاستيلاء على الأرض والحدود وفرض الإتاوات. فحينما تتضجر نخبة دافوس، وحينما يتحدث رئيس وزراء كندا كارني عن نهاية النظام الدولي، ويدعو إلى إقامة تحالفات جديدة وعدم الاستسلام لإرادة القوة، وحينما يتحدث رئيس الوزراء البريطاني السابق، ريشي سوناك، ويقول: “انتهى عهد الهيمنة الأميركية، دور الولايات المتحدة في العالم يتغيّر”، فهذا يدل على أن الأمر جلل ويتهدد نادي الامتياز الغربي في الصميم.
لا عاصم من ترامب وحليفه نتنياهو غير توافقات عقلانية بين دول المنطقة بعيداً عن المعادلة الصفرية وأخذ مصالح الجميع بالاعتبار
الأرجح هنا أن ترامب سيتمكّن فعلاً من تفكيك المنظومة الدولية التي أقامتها الولايات المتحدة قطعة بعد أخرى، ولكنه لن يتمكن من إعادة تركيبها على النحو الذي يرغب فيه، وهذا الأمر سيكون شبيهاً، من بعض الوجوه، بما فعلتها القوة الأميركية في العراق وأفغانستان، حيث تمكنت بسرعة البرق من إسقاط نظامي صدام حسين في العراق وطالبان في أفغانستان، ولكنها تحولت فيما بعد أسيرة لفوضى صنعتها بنفسها.
الولايات المتحدة قوة جبّارة ولديها سبق عسكري ومالي واقتصادي على كل القوى المنافسة تقريباً، مستندة إلى قوة الدولار وانتشار القواعد في البحار واليابسة، بما يعطيها تقدّماً على منافسيها الدوليين، وإن كانت الصين تسرع الخطى باتجاه تقليص الفارق، ولكنها مع تعقيدات المشهد الدولي الراهن لن تتمكن من إعادة ضبطه، بالنظر إلى تعدد مراكز القوى وتضارب المصالح، وما يزيد في صعوبة الوضع أنها دخلت في معارك صفرية مع الجميع وفي كل الاتجاهات، بما دفع حلفاءها إلى إسراع الخطى باتجاه بكين والبحث عن شراكات جديدة.
الأرجح أننا نسير نحو مرحلة انتقالية يغلب عليها طابع الفوضى والقلق وعدم اليقين الذي بات يسكن الجميع، مع ما يتبع ذلك من تقلب الصراعات وتغير خطوط الصراع، ولعله من فضائل هذا الوضع الرمادي أن دول المنطقة باتت غير مطمئنة للمظلة الأميركية، ومن ثم تتجه إلى التغلب على صراعاتها والبحث عن تقارب وحتى تحالفات جديدة تضمن شيئاً من الاستقرار في ظل حالة السيولة الشديدة هذه، ومن علامات ذلك ما نشهده من حراك بين أنقرة والرياض وإسلام آباد والقاهرة. فاذا كان ترامب يهدّد أقرب الجيران وثيقي الصلة بمعطيات الجغرافيا والثقافة واللغة، فلا شيء يمنعه من مغامرات طائشة في الشرق الأوسط الذي يستبشعه ويسخر منه. وعليه، لا عاصم من ترامب وحليفه نتنياهو غير توافقات عقلانية بين دول المنطقة بعيداً عن المعادلة الصفرية وأخذ مصالح الجميع بالاعتبار.




