رأي

 عام 2026.. عام الحرب؟

كتب وولفغانغ مونشاو, في موقع “Unherd” البريطاني:

يوسّع القوي من مناطق نفوذه، والدبلوماسية التي كانت تسود سابقاً غابت اليوم، وحلّت مكانها جاهزية خطابية للصراع المسلّح على نطاق لم يسبق له مثيل.

قد يحمل العام الجديد احتمالات غير ثانوية لحرب أوسع في أوروبا. وبينما تتصاعد مخاطر وقوعها الآن، غَزا دونالد ترامب فنزويلا وأسر رئيسها نيكولاس مادورو، مؤشّراً بوضوح على أنّ الجغرافيا السياسية عادت إلى عقيدة الحرب الباردة حيث يوسّع القوي من مناطق نفوذه. وبالنسبة للولايات المتحدة أولويتها هي السيطرة على نصف الكرة الأرضية الغربي، في حين يمتدّ نطاق الصين إلى تايوان، وروسيا إلى أوكرانيا وأجزاء أخرى من الاتحاد السوفياتي السابق. ومع توجّه واشنطن إلى أماكن أخرى وتزايد جرأة بوتين، تتزايد احتمالات استمرار الحرب.

خلال الحرب الباردة لجيلي، كان هناك دائماً احتمال لصراعات عرضيّة. لكنّ أميركا والاتحاد السوفياتي كانا يسعيان من قبل أشخاص يعملون جاهدين لمنع حدوث ذلك. حتى في أزمات أكثر توتراً، كانت الدبلوماسية هي السائدة. الآن الأمور مختلفة تماماً، فعلى جانبي المحيط الأطلسي، في روسيا وعبر أوروبا الغربية، أرى جاهزية خطابية للصراع المسلّح على نطاق لم يسبق له مثيل.

الأمين العامّ لحلف “الناتو” مارك روتة قال مؤخّراً: “روسيا أعادت الحرب إلى أوروبا، ويجب أن نكون مستعدّين لحجم الحرب التي عانى منها أجدادنا”. وفي الوقت نفسه قال المارشال الجوي البريطاني السير ريتشارد نايتون إنّ الوضع أكثر خطورة من أيّ وقت مضى خلال مسيرته، “أبناء، وبنات، والمحاربون القدامى، سيكون للجميع دور يؤدّونه ويبنونه، ويخدم المجتمع وإذا لزم الأمر سيقاتلون”. من جانبه حذّر رئيس وكالة الاستخبارات الفيدرالية الألمانية من أنّ روسيا قد تهاجم أوروبا قبل نهاية العقد الجاري.

وإذا حدثت هذه الحرب مع روسيا، فلن يكون ذلك فقط لأنّ ترامب هو من حفّز بوتين، بل سيكون أيضاً لأنّنا سمحنا للوضع في أوكرانيا بأن يخرج عن السيطرة. لقد كان دعمنا سلسلةً من الأخطاء في التقدير. وعندما لفّ الجميع أنفسهم بالعلم الأوكراني في عام 2022، كان من يُسمَّى بالخبراء متفائلين بشكل مذهل بشأن انتصار كييف في نهاية المطاف. وقد تنافس الجنرالات المتقاعدون في توقّعاتهم حول السرعة التي ستنجز بها أوكرانيا المهمة، وتوقّع أحدهم أنّ الأمر سيستغرق أسبوعين. حسناً، لقد مرّ الآن ما يقرب من 4 سنوات على الصراع، وبصفتنا أعضاء فيما يسمّى بـ “تحالف الراغبين”، شجَّعنا نحن الأوروبيّين أوكرانيا على القتال حتى النهاية المريرة، من دون أيّ فرصة للفوز.

من الممكن تماماً الآن أن تنتهي روسيا باحتلال أكثر من الأقاليم الأربعة التي تسعى إليها، وأن تفقد أوكرانيا استقلالها. وقد يشجّع النصر روسيا على السعي إلى المزيد في نهاية المطاف. ومما يزيد الأمور سوءاً على الجانب الآخر، أنّ بعض الأوروبيين يسعون الآن إلى تغيير النظام في روسيا، أو على حدّ تعبير الممثّلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كاغا كالاس، “ليس من السيّئ أن تصبح القوة العظمى أصغر بكثير”.

لقد مررنا بهذا من قبل. قبل الحرب العالمية الأولى، كان الشباب الألماني والنمساوي متعطشين للحرب، كما يبدو العديد من الأوروبيين اليوم. كان الألمان يحسدون أجدادهم الذين خاضوا معارك مجيدة في الحرب الفرنسية البروسية قبل 44 عاماً آنذاك، كما هو الحال الآن، حيث استخفّت المؤسسة السياسية والعسكرية بمدى صعوبة الحرب.

ومع ذلك هناك فرق كبير واحد. ففي عام 1914، كانت جيوش أوروبا في وضع يسمح لها بالقتال. ولقد كان انتصار الألمان والنمساويين على الأقل نتيجة معقولةً. أما اليوم، لم يعد من الممكن أن تتمكّن أوكرانيا من الفوز بالحرب، ولا تستطيع أوروبا الغربية، من دون مساعدة أميركية أن تهزم روسيا. وهذا الصراع الأوروبي الأوسع إذا اندلع، لن يكون بالضرورة حرباً برية كلاسيكية، ولا أعتقد أنّ لدى بوتين خططاً لغزو أوروبا الغربية، كما يدّعي مسؤولو الأمن الأوروبي، والخوف الرئيسي هو من الحرب الهجينة، الطائرات التي تنفجر فوق مطار هيثرو، على سبيل المثال، أو في محطة قطار ألمانية مزدحمة، أو ربما حتى انفجار نووي تحت الماء يشعل موجة تسونامي. وبروكسل كموطن لحلف “الناتو” والاتحاد الأوروبي، ستكون عرضة للهجوم بشكل خاصّ، وأيّ ردّ على مثل هذا الاستفزاز سيتصاعد بسرعة إلى أخطار جمّة.

تبدو أوروبا الآن أقلّ استعداداً لهذا النوع من الحروب. ويرى خبراء الأمن الغربيون أنّ الحرب الهجينة تعتبر نوعاً أقل شأناً من الحروب، و(تخص شعوباً أقل شأناً مثل الروس)، لكنّها قاتلة، ونحن الأوروبيون ضحايا مثاليون لها، حيث نعيش في مساحات ضيّقة، ونعتمد على البنية التحتية والتكنولوجيا الحيوية. ومن وجهة النظر الروسية، فإنّ مثل هذه الهجمات لن تؤدّي إلى تفعيل بند الدفاع المتبادل لحلف “الناتو”. ولماذا تغزو إستونيا إذا كان بإمكانك إحداث فوضى عارمة في العواصم الأوروبية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على إنكار معقول.

المملكة المتحدة ليست غافلة عن هذا الأمر. ومنذ نحو شهرين حذّرت لجنة الدفاع البريطانية من أنّ الحكومة تتحرّك “بخطى بطيئة لاعتماد برنامج الدفاع الداخلي”، وهو استراتيجية وطنية جديدة للمرونة والأمن لحماية البلاد من المخاطر الجسيمة، بما في ذلك الهجمات غير التقليدية. لكنّ البرنامج تأخّر لأكثر من عام، حتى في الوقت الذي يسعى فيه قادة بريطانيا جاهدين إلى تصعيد خطاب الحرب.

من الواضح أكثر من أيّ وقت مضى أنّ أنظمتنا السياسية ليست جاهزة للقتال. بريطانيا وألمانيا وفرنسا جميعها دول غير مُستعدّة لدفع تكاليف دعم أوكرانيا من ميزانيتها الخاصة، أو حتى رفع الضرائب. لهذا السبب كانوا حريصين جداً على استخدام الأصول الروسية المجمّدة في المصارف الأوروبية. والآن بعد أن منعت بلجيكا، الدولة التي تحتفظ بمعظم الأصول الروسية عملية السرقة، سيتعيّن الآن على السياسيين الأوروبيين أن يفوا بوعودهم.

والمشكلة أنّ ناخبيهم لا يسمحون لهم بذلك، ولن يتخلّوا عن تعويضاتهم الاجتماعية لتمويل الحرب. كما تُظهر استطلاعات الرأي باستمرار نقصاً واضحاً في الدعم لمزيد من المساعدات المالية لأوكرانيا، بينما لا تطلب منهم ارتداء أحذيتهم العسكرية والقتال فعلياً من أجل وطنهم. والمفارقة هنا هي أنّه مهما كانت مشكلاتهم، يرى قادة أوروبا الحرب كوسيلة لتشتيت الانتباه عن الأزمات الأعمق. وإذا حدث السلام على سبيل المثال سيتوجب على الاتحاد الأوروبي إصلاح سياسته الزراعية المشتركة السخيفة، وتحويل الأموال بعيداً عن المزارعين الفرنسيين نحو أوكرانيا. وسيصبح الدفاع عن الإسراف المستمر أصعب بطرق أخرى، فلقد تخلّى الاتحاد الأوروبي عن قواعده المالية لإفساح المجال لمزيد من الإنفاق الدفاعي، لكن من دون حرب، يصعب تبرير الإنفاق بالعجز. فالحرب هي الذريعة النهائية للسياسات الفاشلة، وإبقاء الحكومات المختلة في السلطة وتأجيل لحظة الحساب.

مثل كثيرين من جيلي، كنت أعتقد دائماً أنّ الأوروبيين تعلّموا من أخطاء الماضي، بما في ذلك أقدم خطأ إطلاقاً. كما حذر صن تزو الاستراتيجي الصيني الأسطوري للحرب قبل نحو 2500 عام، إذا “لم تعرف العدو ولا نفسك، فسوف تستسلم في كل معركة.” للأسف، نستمر في المبالغة في تقدير أنفسنا وتقليل أعدائنا. في البداية، قلل بوتين من شأن عدوه بهجوم هاو على كييف، لكنه تعافى والروس الآن يخوضون حرباً منظمة جيداً ومموّلةً بالكامل ومُركَّزة. وربما يستنتج الاستراتيجيون الروس أنّ الوقت الآن مناسب لشنّ حرب هجينة ممتدة ضدّ أوروبا. ما الذي يخسره بوتين؟

وفي الوقت نفسه، تستمر سوء تقديرنا. تماماً كما قلَّل نابليون وهتلر من حجم روسيا الهائل ودرجات حرارة الشتاء المتجمّدة، يستمر السياسيون الأوروبيون المعاصرون في التقليل من شأن الصمود الاقتصادي لروسيا الحديثة. وقد حدث الخطأ الأول في بداية الحرب، عندما اعتقدنا أننا نستطيع إرهاق روسيا اقتصادياً من خلال العقوبات. لقد خَدعنا أنفسنا بإحصائيات مُضَلِّلة للغاية، حيث كان الناتج المحلي الإجمالي لروسيا تقريباً بحجم الناتج المحلي الإجمالي الإسباني. لكنّ ما يهمّ في الحرب هو القوة الشرائية حرفياً بسعر كاف. ووفقاً لهذا المقياس، تُنفق موسكو أكثر من ضعف ما تنفقه ألمانيا على الدفاع، وبكفاءة أكبر بكثير. بينما يصرّ الخبراء على أنّ الاقتصاد الروسي على وشك الانهيار. لا يوجد أي علامة على حدوث ذلك. وبالمثل، لا يزال بعض المحامين الدوليين يدّعون أنّ مُصادرة الأصول الروسية خالية من المخاطر. وهذا مؤشّر على نمط أوروبي قد يكون كارثياً بين الكنز والدم.

في المقابل، كان لدى الواقعيين الجيوسياسيين في الأجيال السابقة، مثل هنري كيسنجر أو جورج كينان، الدبلوماسي الأميركي الأسطوري في عصر ما بعد الحرب، فهم أعمق بكثير لسياسة القوى العظمى. لم يكن أحد ليتهم كيسنجر بالضعف تجاه الاتحاد السوفياتي، لكنّه لم يكن أيضاً من محبّي الحروب الحماسية. وفي ذلك الوقت، كان الأميركيون يحتفظون بقنوات دبلوماسية مع روسيا، ولم ينغمسوا في التمثيل الطقوسي للفضيلة حول سيادة القانون. وكانت مهمتهم إدارة المخاطر، وقد أدّوا مهامهم تلك بمهارة.

وما يتّضح الآن بشكل متزايد هو أنّ إدارة ترامب ليست في مجال إدارة المخاطر، بل تسعى لتحقيق مكاسب تجارية قصيرة الأجل. قد تكون غرينلاند هي التالية، حيث رواسب العناصر الأرضية النادرة الشاسعة وغير المستكشفة إلى حدّ كبير، إلى جانب موقعها الاستراتيجي، يجعلها هدفاً واضحاً لترامب. وفي الواقع لقد وضع ترامب بالفعل الأساس لكلّ من استراتيجية الأمن القومي وتعيين مبعوث مكلّف بالحصول على الجزيرة. وستعزّز هذه الملكية بشكل كبير موقف الولايات المتحدة في بحر القطب الشمالي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة تجاهلتها أوروبا إلى حدّ كبير.

وكندا ليست بمنأى عن أهداف ترامب الذي يُعرّفها بالفعل كتهديد أمني. كما أنّ كندا تحتفظ بـ 163 مليار برميل من احتياطيات النفط المثبتة، لتحتلّ المرتبة الرابعة عالمياً وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، بعد فنزويلا والسعودية وإيران. ومع تزايد اعتماد الولايات المتحدة على النفط لتلبية احتياجاتها من الطاقة، فإنّ الاستحواذ على فنزويلا وكندا سيتبع بالتأكيد منطقاً تجارياً، إن لم يكن سبباً استراتيجياً.

أعلم أنّ هذا جنون تامّ. لكنّه يعكس واقعاً جيوسياسياً لم تعد فيه المخاطر تدار وتستبعد فيه الدبلوماسية. لقد كان عالم الحرب الباردة أكثر أماناً، ليس لأنّ الوضع آمن، بل لأنّ البالغين هم من يحكمون.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى