شكوى نيابية ضدّ رئيس الوزراء: السوداني يجنح للرؤية الأميركية

كتب فقار فاضل, في الاخبار:
تقدّم عدد من النواب بشكوى ضدّ السوداني بتهمة استغلال منصبه انتخابياً في خطوة أثارت انقسامات عميقة داخل “الإطار التنسيقي”.
قبل أقل من 3 أسابيع، على موعد الانتخابات البرلمانية العراقية، تشهد قوى «الإطار التنسيقي» أزمة داخلية متصاعدة، وسط مؤشرات على انقسامات عميقة حول موقع رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، ودوره المستقبلي في الحياة السياسية. وفي أحدث حلقات هذا التوتّر، تقدّم 6 نواب شيعة بشكوى رسمية ضدّ السوداني، أحالتها رئاسة الادّعاء العام إلى المحكمة المتخصّصة بالنظر في قضايا النزاهة. واتّهم النواب، رئيس الوزراء، بعدد من المخالفات القانونية، من بينها «استغلال المنصب لأغراض انتخابية، ومنح أراضٍ لموظفين، وإصدار كتب شكر وتقدير في سياق انتخابي»، وهو ما يعدّ خرقاً لوثيقة النزاهة الانتخابية التي وقّعتها الرئاسات في آب الماضي.
والنواب الـ6، وهم يوسف الكلابي وياسر الحسيني وفالح الخزعلي وعلاء الحيدري وهيثم الفهد ومحمد نوري، ينتمون إلى كتل شيعية مختلفة، ما جعل الشكوى تبدو أكثر من مجرد إجراء قانوني. فهي، وفق مراقبين سياسيين، تعكس صراعاً داخلياً على النفوذ في «الإطار»، وتُعدّ أول شكوى من نوعها يقدّمها نواب شيعة ضدّ رئيس وزراء ينتمي إلى المعسكر نفسه. ومع ذلك، يقول القيادي في «الإطار»، علي الكناني، لـ«الأخبار»، إنّ ما يجري «لا يُعدّ انقساماً بقدر ما هو اختلاف في الرؤى، إذ لكل تيار داخل الإطار جمهوره وخصوصيّته.
والمنافسة عامل طبيعي في المرحلة الانتخابية». ويرى أنّ «السوداني لا يزال جزءاً من الإطار، ويمتلك رؤية واضحة للانتخابات المقبلة»، معتبراً أنّ ما يظهر من خلافات «تكتيكي بطبيعته»، وأنّ «الإطار سيعود إلى التماسك بعد الانتخابات لتشكيل الكتلة الأكبر داخل البرلمان المقبل».
لكنّ مصادر سياسية مطّلعة تحدّثت إلى «الأخبار»، تؤكّد أنّ الخلافات بين بعض قوى «الإطار» بلغت «درجات غير مسبوقة»، خصوصاً مع الأحزاب التي تمتلك أجنحة مسلّحة. وتشير إلى أنّ هذه القوى «تشعر بتهديد حقيقي من صعود السوداني، خاصة بعد لقائه الأخير بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في شرم الشيخ، وما تبعه من إشارات سياسية توحي بانفتاحه على واشنطن، وتبنّيه مواقف مناهضة لهيمنة السلاح خارج الدولة وللوجود الإيراني في العراق». وتضيف المصادر أنّ السوداني «بدأ ينسج خطاباً يقترب من الرؤية الأميركية الداعية إلى نزع السلاح، وهو ما أزعج فصائل بارزة في الإطار، تعتبر هذا التحوّل مساساً بهوّيتها السياسية والأمنيّة».
القوى التي تملك فصائل مسلّحة تشعر بتهديد حقيقي من صعود السوداني
من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي، علي الحبيب، أنّ شكوى النواب «تعكس احتدام التنافس الانتخابي داخل الإطار»، لافتاً إلى أنّ «قوى عديدة بدأت تشعر بخطورة نفوذ السوداني ومحاولته كسب التأييد الشعبي في مناطق الوسط والجنوب، وهي مناطق النفوذ التقليدي لقوى الإطار القديمة». ويضيف أنّ «الخلاف لم يعد محصوراً بين السوداني وبعض القيادات، بل امتدّ ليشمل مجمل مكوّنات الإطار التي تخشى أن يؤدّي ترشّحه لولاية ثانية، إلى إعادة رسم ميزان القوى داخل البيت الشيعي».
وفي مواجهة هذه الضغوط، يواصل السوداني تحرّكاته الانتخابية بقوة، مقدّماً نفسه على أنه «رجل الدولة والإعمار»، حيث قال في مهرجان انتخابي في محافظة نينوى، إنّ «المعركة المقبلة هي بين مَن يريد إعادة إنتاج الفشل والفساد، وبين من يسعى إلى استمرار التنمية والإصلاح». وأضاف: «نريد دولة قوية بقرارها، تنحاز إلى المواطن وتعيد الثقة بين الناس والدولة»، وهي تصريحات يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها رسالة سياسية موجّهة إلى خصومه داخل «الإطار»، وفي مقدّمهم «ائتلاف دولة القانون»، بزعامة نوري المالكي.
ورغم هذا التصعيد، يرى بعض المقرّبين من دوائر القرار أنّ ما يجري «ليس بالضرورة انفجاراً نهائياً». لكن ذلك لا يُخفي القلق من أن تؤدّي الحملات المتبادلة والاتّهامات المتصاعدة إلى انقسام فعلي داخل «الإطار»، خصوصاً إذا واصل السوداني، تقديم نفسه بصفته مرشّحاً مستقلّاً عن إرادة القيادات التقليدية، أو حاول تأسيس تحالف انتخابي واسع يتجاوز حدود «الإطار» الحالي.
في المحصّلة، تعيش الساحة السياسية العراقية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها المنافسة الانتخابية مع التحوّلات في الموقف الإقليمي والدولي. ومع أنّ «الإطار» يحاول الظهور بمظهر التماسك، إلا أنّ ما يجري في كواليسه يوحي بأنّ الانتخابات المقبلة ستكون اختباراً حاسماً لوحدته، ولمستقبل السوداني السياسي الذي يبدو أنه بات في قلب معادلة جديدة، عنوانها الصراع على الزعامة داخل المكوّن الشيعي نفسه.
وفي السياق، يقول السياسي محمد الخالدي، في تصريح إلى «الأخبار»، إنّ «بعض قوى الإطار التنسيقي تحاول بكل الطرق حجب المسار السياسي عن السوداني، ومنعه من التقدّم نحو ولاية ثانية». ويضيف أنّ «هذه القوى تعمل على توجيه الاتّهامات وفتح ملفات ضدّ السوداني، في هذا التوقيت تحديداً بهدف التسقيط السياسي والتقليل من إنجازاته الحكومية، بعد أن شعرت بخطورة تنامي شعبيته واحتمال اكتساحه الساحة الشيعية انتخابياً». ويرى أنّ «توقيت الحديث عن عيوب أو مخالفات حكومة السوداني ليس بريئاً، بل يأتي في إطار استثمار سياسي واضح يراد منه الإطاحة به أو على الأقل الحدّ من نفوذه المتصاعد داخل الإطار وخارجه».




