«شراكة أمنية» سورية – إسرائيلية: مفاوضات باريس تكرّس احتلال الجنوب

كتب عامر علي, في الاخبار:
يكرّس الاتفاق الأمني السوري – الإسرائيلي في باريس الاحتلال تحت مظلة أميركية عبر «شراكة» تقنّن التنسيق الاستخباري وتعزز التطبيع الاقتصادي، متجاهلةً حق سوريا في استعادة الجولان والأراضي المحتلة لصالح تثبيت الأمر الواقع.
لم تخرج الاجتماعات التي استضافتها باريس يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين بين إسرائيل والسلطات الانتقالية السورية، بوساطة أميركية، بأي مفاجأة. غير أنّ الجديد في هذه الجولة، التي تعدّ الخامسة من نوعها منذ تسلّم الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، السلطة في سوريا، شهدت تطوّراً لافتاً تمثّل في البيان الختامي المشترك الذي تضمّن إعلاناً رسمياً عن بدء عمل مشترك بين الطرفين. البيان الذي نُشر على حساب السفارة الأميركية في سوريا، أكّد التزام دمشق وتل أبيب بالسعي إلى تحقيق ترتيبات أمنية دائمة، وإنشاء آلية مشتركة «لتسهيل التنسيق الفوري والمستمرّ بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، (وذلك) تحت إشراف الولايات المتحدة».
وكان شارك في الاجتماعات من الجانب السوري كل من وزير الخارجية أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة. أمّا من الجانب الإسرائيلي، فحضر سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء رومان جوفمان، والقائم بأعمال رئيس «مجلس الأمن القومي» جيل رايخ، فيما مثّل الجانبَ الأميركي المبعوث الخاص إلى سوريا توماس برّاك، والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب الدبلوماسي وصهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر.
على أنّ اللافت في هذه الاجتماعات عدم تسرّب أي أنباء واضحة حول بعض الملفات الشائكة، وعلى رأسها انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي تحتلّها، أو وضع السويداء التي باتت تحت حكم إدارة ذاتية بدعم إسرائيلي، وذلك باستثناء ما نقلته وكالة «رويترز» عن مسؤول حكومي سوري من أنّ النقاشات تدور حول تطبيق «اتفاقية فضّ الاشتباك» الموقّعة عام 1974. وفي المقابل، أُعلن عن بدء مسار تعاون اقتصادي بين سوريا وإسرائيل، وفق خطّة أميركية تقضي بإقامة «منطقة اقتصادية مشتركة»، بالإضافة إلى التعاون في مجالات الزراعة والطبّ. وبدت مناقشة هذه الملفات مستغربة، بعدما كان متوقّعاً أن ينصبّ الاهتمام على الجانبين الأمني والعسكري، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق سورية عدّة، تضمّ مرتفعات استراتيجية أبرزها قمّة جبل الشيخ، ومنابع المياه العذبة، عدا عن مرتفعات الجولان التي احتلّتها إسرائيل عام 1967.
أعلنت تركيا أنها تتابع عن كثب المفاوضات بين سوريا وإسرائيل
ويعني تغييب هذه الملفات، فعلياً، تثبيت الأمر الواقع، وإضفاء صيغة «قانونية» على الاحتلال الإسرائيلي تحت ستار اللجنة المشتركة التي تقودها الولايات المتحدة، والتي ذكر موقع «أكسيوس» الأميركي أنها ستتّخذ من الأردن مقرّاً لقيادتها بشكل يضمن أمن إسرائيل. وفي حين سوّقت وسائل الإعلام السورية الرسمية ما تمّ الاتفاق عليه في أثناء هذه الجولة تحت عنوان «الاتفاق الأمني لوقف الاعتداءات الإسرائيلية»، كثّفت فيه وسائل الإعلام الإسرائيلية تغطيتها لمضامين تلك التفاهمات، والتي قالت «هيئة البثّ» إنّ «90 % منها قد تمّ إنجازه».
بدوره، أشاد المبعوث الأميركي إلى سوريا، بنتائج المحادثات التي وصفها بأنها تمثّل «اختراقاً». وقال، في تصريحات إلى صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، إنّ «نتائج المحادثات تعكس رغبة قوية ومشتركة في الانتقال من حال الإنكار إلى تعاون حقيقي وازدهار مشترك. كلا الجانبين ملتزمان بعلاقة جديدة قائمة على الشفافية والشراكة، علاقة تُداوي ندم الماضي وتُسرّع بناء مستقبل فيه تعاون». وأضاف: «لقد أوضحت الحكومة السورية الجديدة بشكل لا لبس فيه أنها لا تضمر أي نيّات عدائية تجاه إسرائيل، بل تسعى إلى علاقة قائمة على الاحترام والتعايش»، لافتاً، في الوقت نفسه، إلى أنّ «إسرائيل تبدي رغبة في بناء علاقات مع قيادة هذا الجار التاريخي، وتقدر أنّ النظام العدائي القديم قد استبدل بآخر ملتزم بالتعاون وبنهج جديد». ورأى أنّ «إعطاء الأولوية للفرص الاقتصادية والازدهار والحوار المفتوح، تحت قيادة وإلهام الرئيس دونالد ترامب، يقود باستمرار إلى تعاون فعلي وطويل الأمد»، وفق تعبيره.
أمّا تركيا فقد أعلنت أنها تتابع عن كثب المفاوضات بين سوريا وإسرائيل؛ وقال وزير خارجيتها، حاقان فيدان، إنه بحث مع نظيره السوري، في باريس، مجريات تلك المفاوضات، مضيفاً أنه التقى برّاك على هامش اجتماع «تحالف الراغبين» حول أوكرانيا الذي عُقد في باريس، بالتزامن مع المفاوضات السورية – الإسرائيلية. وأشار إلى «أننا في تشاور مستمرّ مع الجانبين السوري والأميركي، وناقشنا عدداً من القضايا بالتفصيل، من بينها المرحلة التي وصلت إليها المفاوضات مع إسرائيل».
وبالتزامن مع الإعلان عن الاتفاق بين تل أبيب ودمشق، أقدمت القوات الإسرائيلية التي تحتلّ مناطق واسعة قرب الشريط الفاصل، وتفرض سلطة أمر واقع على مناطق تمتدّ إلى ريف دمشق، على هدم مشفى «الجولان القديم» في مدينة القنيطرة المدمّرة. ويعدّ هذا المشفى أحد أبرز معالم المدينة وأهمّ رموزها التاريخية، وقد نال نصيبه من الدمار الذي لحق بالقنيطرة في أثناء مدّة الاحتلال الإسرائيلي لها بين عامَي 1967 و1973، وتحول بعد استعادة سوريا الجولان إلى شاهد على الإجرام الإسرائيلي الذي لا يستثني حتى المستشفيات.




