سورية في الحلف الغربي… ماذا بعد؟

كتبت رانيا مصطفى, في العربي الجديد:
انضمت سورية رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. ولكن التعاون في ملفِّ محاربة تنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة، بين هيئة تحرير الشام والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ليس جديداً، بدأ في 2016، حسب ما أفادت به صحيفة نيويورك تايمز. ورغم نفي الحكومة السورية صحة ذلك، إلّا أن حوادث لاحقة تشهد تعاوناً استخباراتياً بين الهيئة خلال سنوات حكمها في إدلب قبل سقوط نظام الأسد، خصوصاً في استهداف عناصر التنظيمين، وفي مقدمتهم أبو بكر البغدادي في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2019. هندست واشنطن هذا الانضمام، ضمن سياسة جديدة للمنطقة تخصّ مصالح الرئيس ترامب في تحقيق استقرار وسلام، وإن كانا هشَّين، بدأ في غزة ثم سورية ولبنان والسودان وليبيا، مراهِنةً على دعمٍ رمزي مطلق للحكم الجديد، بدا واضحاً في المديح المطَّرِد على لسان ترامب لشخص الرئيس أحمد الشرع، وتبادل هدايا شخصية خلال زيارة الشرع المفاجئة البيت الأبيض، مقابل تقديم تنازلات كبيرة، وفي مقدمها العلاقة مع دولة الاحتلال، وقد بدأت بالفعل اللقاءات المباشرة في أعلى المستويات الدبلوماسية بين الطرفين، فيما بدا أنه تسويقٌ للحكم الجديد، وضمن صفقة رابحة يراهن عليها ترامب لإقناع المعترضين والمتردّدين في الكونغرس أو الدولة العميقة، من أجل النزول عند رغبة ترامب في رفع عقوبات قانون قيصر نهائياً. وعلى هذا، قادت واشنطن مسار إصدار القانون الأممي أخيراً بشأن سورية 2799، وشطب اسمي الرئيس أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب من القوائم السوداء، على أن يخضع مجمل المسار السياسي السوري للمراقبة الأممية وتحت الفصل السابع.
تتعرّض الإدارة السورية الجديدة، بشخصيَّاتها وماضيها الجهادي المثقل بالعقوبات الدولية، لابتزاز كبير من رجل البيت الأبيض، المولَع بالصفقات، لإعطائها دعماً رمزياً في هذه المرحلة يساعدُها في التغلب على التحدّيات الداخلية، خصوصاً أمام خصومها ومنافسيها من قوى الأمر الواقع في السويداء وشرق الفرات، والمحاولات المستمرّة لتشكيل ما سمّي “تحالف أقليات” وبمشاركة قوى سياسية من الساحل أو من فلول نظام الأسد، وكذلك أخذت سلطة الشرع دفعةً معنوية كبيرة لضبط الفصائل الموالية لها. وبالتالي، يراهن ترامب على قدرة الشرع على إعادة تشكيل حكم مركزي، ولكن طيِّعٌ بيده، وهو يستغلّ ماضي الجماعة من جهة، والتقارير الحقوقية المتواترة حول الانتهاكات التي وصلت إلى توصيفها بمجازر حرب خلال الحملات الأمنية في الساحل والسويداء، لإبقاء سلطة الشرع تسير ضمن الأجندتين الأميركية والدولية، خصوصاً ما يتعلّق بمنع عودة النفوذ الإيراني إلى سورية، ومحاربة حزب الله والحرس الثوري، إضافة إلى تنظيم داعش، حسب ما صرّح به المبعوث الأميركي إلى سورية توماس برّاك.
حاولت القوات السورية الجديدة ضبط الحدود السورية اللبنانية، منذ بداية العام، لمنع وصول الأسلحة إلى حزب الله؛ وهو أيضاً هدفٌ أمني سوري لمنع تحرّك وصول الدعم من أطراف لبنانية إلى خلايا محتملة لفلول نظام الأسد. وفي ملف محاربة داعش، نشطت وزارة الداخلية بشكل مفاجئٍ، قبيل زيارة الشرع البيت الأبيض، في 61 مداهمة لخلايا التنظيم، اعتقلت خلالها 71 شخصاً، حسب تصريحاتٍ حكومية. وبعد التغييرات الأمنية الكبيرة التي حصلت بعد انهيار نظام الأسد، زاد نشاط التنظيم ضمن خلايا صغيرة وعمليات محدودة، وضمن استراتيجية “الخمول المرن” والصمود والتعطيل من دون السيطرة على الأرض، حسب وصف باحثي معهد الشرق الأوسط في واشنطن، مع اختراق صفوف قوات الأمن بالتجنيد والتجسس، وتسويق نفسه قادراً على تحقيق العدالة للسوريين، حيث يبلغ عدد المقاتلين الفاعلين داخل الأراضي السورية بين 2500-3000.
ستبقى عملية الدمج الحقيقية مرهونة بما سيقوم به الشرع وإدارته من خطوات فعلية باتجاه توحيد الجيش، وتشاركية أوسع في السياسة والاقتصاد
من الواضح أن شكل التعاون بين دمشق والتحالف الدولي سياسي واستخباراتي، وأنّ الانتقال إلى المستوى العسكري يتطلَّب قدرة الإدارة الجديدة على إنشاء منظومة عسكرية رسمية مركزية وهرمية، وهذه مهمّة تحول دون تحقيقها مصاعب كثيرة، في مقدّمتها تحدّي إعادة مأسسة الجيش من فصائل ومليشيات، ومنها هيئة تحرير الشام، وكيفية التوفيق بين العمل ضمن أجندة التحالف الدولي وضمان ولاء هذا الجيش المطلق لحكم الشرع الساعي بوضوح إلى ترسيخ حكم الفرد؛ حيث تعاني مؤسسة الجيش من خلافات إيديولوجية بلغت أوجها في ارتباك شرعيي السلطة في إفتاء زيارة الشرع البيت الأبيض وانضمامه إلى التحالف الدولي. أما عودة ضباطٍ منشقين إلى الجيش، فهي رمزية، ولا يبدو أن لهم دوراً في تشكيل الجيش الجديد، فيما يتم تداول تدريب عشرات الضباط في تركيا والسعودية، في خطوة تطرح تساؤلاً حول إمكانية تأهيل مقاتلين ضمن فصائل، وهم من خلفيات مدنية، كما تطرح تساؤلاً حول العقيدة القتالية للجيش الجديد.
دعا الشرع الولايات المتحدة إلى الإشراف على عملية الاندماج المتعثِّرة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وما زالت الأخيرة معتمَدة من التحالف الدولي لقتال “داعش”، وتشرف على مخيمات تضمُّ قرابة 45 ألفاً من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم، وتتلقّى الدعم العسكري والأموال والتدريبات، ورغم رغبة واشنطن في دمجها بالحكومة المركزية، إلا أنَّه من الصعب التخلي عنها ككتلة صلبة اعتادت العمل تحت كنف التحالف. وهناك جيش سورية الحرة، الذي كان يعمل ضمن الفرقة 70 التابعة لوزارة الدفاع السورية، ثم أصبح تابعاً للداخلية تحت مظلة “فرع أمن البادية”، وقد امتدَّ نفوذه ليلة سقوط نظام الأسد ليشمل تدمر والضمير، وهو يتلقى دعماً ورواتب وتدريبات من الولايات المتحدة، وما زال معتمَداً من التحالف الدولي. هذا يعني أن انضمام “جيش سوريا الحرّة”، وكذلك سيكون انضمام “قسد” تحت المظلة الحكومية شكليّاً في هذه المرحلة، وبما يتلاقى مع الرغبة الأميركية في تخفيض حضورها العسكري البشري في المنطقة، والاعتماد على قوّات محلية. فيما ستبقى عملية الدمج الحقيقية مرهونة بما سيقوم به الشرع وإدارته من خطوات فعلية باتجاه توحيد الجيش، وتشاركية أوسع في السياسة والاقتصاد، ومصالحة مع السويداء، وإيقاف الانتهاكات ضد العلويين في الساحل ووسط سورية، ولا يبدو أن حكومة الشرع قادرة على تحقيق ذلك كله في المديين المنظور والمتوسط.
تتعرّض الإدارة السورية الجديدة، بشخصيَّاتها وماضيها الجهادي المثقل بالعقوبات الدولية، لابتزاز كبير من رجل البيت الأبيض
زار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان واشنطن تزامنا مع زيارة الشرع البيت الأبيض، بدعوة من براك؛ هذا يطمئن تركيا، ويخفّف التوتر بينها وبين كل من “قسد” ودولة الاحتلال الإسرائيلي. وقد يُسمح لتركيا بترسيخ نفوذها في المناطق الشمالية، وأن تؤدّي دوراً داعماً لحكومة الشرع، ومضبوطاً أميركياً، ولإبعادها عن روسيا، وعدم السماح للأخيرة بعلاقات قوية مع الإدارة الجديدة تتجاوز الحفاظ على قواعدها العسكرية في الساحل السوري. بالتالي الدور الأميركي هو ضبط الأطراف المتدخلة في سورية، وتطويع السلطة الجديدة للعمل ضمن مصالح واشنطن. وهنا يأتي ما نشرته “رويترز” عن إشاعة تأسيس قاعدة عسكرية أميركية قرب دمشق جنوباً، بما يحقق عدة أهداف، منها أمن إسرائيل، والإشراف على أن تكون المنطقة الجنوبية منزوعة السلاح، وتقديم ضمانات أميركية لدولة الاحتلال بأن سورية لن تشكل تهديداً، ومن الممكن توقيع اتفاق أمني أو سلام أو حتى تطبيع، يتم فيه التخلي عن الجولان السوري لمصلحة الكيان المحتل.
وفي النهاية، المسار السياسي والأمني الذي تسلكه الإدارة الجديدة، بالحصول على شرعية غربية/ أميركية، عبر تقديم تنازلات غير محدودة، مع إهمال ترتيب البيت الداخلي وحاجاته الوطنية، لن يقود إلى استقرار، بل إلى مزيد من التدهور الداخلي، وبالتالي مزيد من الابتزاز السياسي وتقديم التنازلات.




