سباق صيني أمريكي محموم على الموارد الطبيعية في أفريقيا

كتب دافيد إيل في صحيفة DW.
أمريكا أولا، هذا هو أول ما يبرز من البيانات المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة في أفريقيا. منذ عام 2012 كانت الصين دائما في الصدارة واستمرت في الاستثمار، بينما سحبت الشركات الأمريكية في بعض السنوات رأس مال أكثر مما نقلته إلى أفريقيا.
لكن أرقام عام 2023 تقدم صورة مختلفة: حيث استثمرت الشركات الأمريكية ما يقرب من ثمانية مليارات دولار أمريكي في أفريقيا أي ما يقرب من ضعف ما استثمره منافسوها من الصين.
لا توضح بيانات مبادرة أبحاث الصين وافريقيا التابعة لجامعة جونز هوبكنز التي نُشرت في مايو كيف تطورت الأوضاع منذ ذلك الحين. فالحكومات الوطنية ومنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية تحتاجان إلى وقت لتقييم الإحصاءات والتوصل إلى استنتاجات صحيحة. ففي النهاية يمكن أن تكون الأرقام غير المعدلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة خادعة: ففي التقرير الحالي لمنظمة أونكتاد تظهر هولندا على أنها أكبر مستثمر في أفريقيا. وبصفتها دولة “قناة” أو دولة عبور، غالبا ما تكون هولندا موقع متوسط لشبكة مالية معقدة حيث يأتي رأس المال في الأصل من دول أخرى.
من المرجح أن ينتظر المحللون في جميع أنحاء العالم الأرقام الجديدة بفارغ الصبر. فالتنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين يزداد حدة وقد شهدت الفترة الأخيرة بعض الأمثلة على استثمارات في أفريقيا قد تكون لها عواقب وخيمة.
أمريكا تستثمر بهدف الربح والصين تستثمر بشكل استراتيجي
هل تجاوزت الولايات المتحدة بالفعل الصين كأكبر مستثمر في أفريقيا، كما ورد مؤخرا في تقارير إعلامية؟
“عندما تنظر إلى الرسم البياني تلاحظ على الفور التقلبات وهي عبارة عن تقلبات حقيقية”، يقول جيمس شيكواتي، مؤسس ومدير شبكة الاقتصاد بين الأقاليم في العاصمة الكينية نيروبي. “أمريكا ترتفع ثم تنخفض، ذهابا وإيابا. ويرجع ذلك فقط إلى أن المستثمرين يتبعون نهجا يهدف إلى تحقيق الربح. فهذه شركات خاصة لا تنفق الأموال على الأعمال الخيرية”، كما يقول شيكواتي في حوار مع DW. وعلى النقيض من ذلك فإن الاستثمارات الصينية المباشرة مدعومة في النهاية من الحكومة التي تسعى إلى تحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأجل.
ويقول شيكواتي إن الفروع في البلدان الأفريقية تختلف أيضا في استخدام العمالة المحلية: فالشركات أمريكية تعتمد على قوى عاملة جيدة التدريب يمكنها تحويل استثماراتها إلى أرباح”. وبذلك تستفيد أفريقيا من الأفارقة ذوي التدريب الجيد الذين يحتاجون إلى وظائف. أما الجانب الصيني فيحتاج قبل كل شيء إلى عمال في المجال العملي ويستهدف هذه الشريحة من السكان. تستفيد أفريقيا من كلا الجانبين”، يوضح شيكواتي.
أفريقيا تقاوم استغلال الموارد الطبيعية بفرض رسوم جمركية
ومن ناحية أخرى لم تستفد أفريقيا حتى الآن بشكل كافٍ من ثروتها من الموارد الطبيعية الهامة: فغالبا ما يتم تصديرها دون معالجة بينما يتم تحقيق القيمة المضافة الفعلية في مناطق أخرى من العالم. قبل عام تقريبا قدم الاتحاد الأفريقي “استراتيجية للمواد الخام الخضراء” التي تنص على فرض رسوم جمركية على الصادرات بنسبة 10 في المئة. وبذلك ستشارك البلدان في القيمة الحقيقية للموارد الطبيعية أو سيتم تشجيع المستثمرين على تصنيعها مباشرة في أفريقيا.
تنتج القارة الجزء الأكبر من كميات البلاتين والكوبالت والتنتال والمغنيسيوم المستخرجة في العالم. قطاع التعدين هو قطاع تقليدي يتميز بارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيه. وقد قلصت الشركات الغربية أنشطتها بشكل خاص في البلدان التي تعتبر حساسة من الناحية السياسية. وفي الوقت نفسه أصبحت الصين لا غنى عنها في العديد من الأماكن بفضل استثماراتها المستمرة.
الصين تستثمر المليارات في المناجم الأفريقية
قال جيمي مونجوريك، المحامي والمدير المحلي لمنظمة Resource Matters غير الحكومية في جمهورية الكونغو الديمقراطية في سبتمبر لـ DW: “تُظهر التجارب في أفريقيا أن الصين لا تخشى عدم الاستقرار السياسي أو الاقتصادي”. “الصين تستثمر ولهذا السبب فإن العديد من قطاعات التعدين في أفريقيا ولا سيما في جمهورية الكونغو الديمقراطية تخضع اليوم لسيطرة الشركات الصينية إلى حد كبير”.
وحسب إحصاءات مؤسسة بروكينغز الأمريكية استثمرت الصين وحدها في عام 2023 ما يقرب من ثمانية مليارات دولار في أفريقيا بما في ذلك مشاريع الليثيوم في زيمبابوي ومالي. ومع ذلك لا يمكن مقارنة هذه الاستثمارات الفردية إلا بشكل محدود بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والتي تعبر عن رصيد جميع تحركات رأس المال للمستثمرين الأجانب. وحسب هذه الإحصاءات كانت الاستثمارات الفردية المرتفعة بشكل خاص مخصصة لمشاريع النحاس في بوتسوانا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ترامب: نحن ننتقل من المساعدة إلى التجارة
في الوقت نفسه تتزايد الدلائل على أن الولايات المتحدة تنظر بشكل متزايد إلى موارد أفريقيا من المواد الخام من منظور استراتيجي بدلا من منظور يركز على الربح فقط. في عام 2019 خلال ولاية دونالد ترامب الأولى كرئيس للولايات المتحدة تم إنشاء المؤسسة الأمريكية للتمويل الدولي للتنمية وهي وكالة حكومية جمعت بين مجالي العمل المنفصلين سابقا وهما الاستثمارات الخاصة وقروض التنمية. ويهدف ذلك إلى تعزيز مصالح الولايات المتحدة، بحيث “يتم تعزيز الريادة العالمية للولايات المتحدة ومواجهة وجود الصين في المناطق الاستراتيجية”.
في بداية ولايته الثانية أوقف ترامب العديد من مشاريع المساعدة الإنمائية. وقد وعد ترامب في اجتماع مع العديد من رؤساء الدول الافريقية في البيت الأبيض. “نحن ننتقل من المساعدة إلى التجارة. هناك إمكانات اقتصادية كبيرة في أفريقيا أكثر من أي مكان آخر. على المدى الطويل سيكون هذا أكثر فعالية ومساعدة من أي شيء آخر يمكننا القيام به”. وفي نفس المناسبة تعهد ترامب بأن الولايات المتحدة ستعامل أفريقيا “أفضل من الصين أو أي دولة أخرى”. وبصفته الراعي لاتفاق السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا الذي لا يزال هشا وعد ترامب الاقتصاد الأمريكي بوصول متميز إلى المواد الخام الكونغولية..حسب تقرير صادر عن وكالة رويترز للأنباء في أوائل نوفمبر فإن اتفاقا اقتصاديا قد تم التوصل إليه بالفعل ويمكن توقيعه خلال اجتماع بين الرؤساء الثلاثة. ويعتقد العديد من الخبراء أن التزام ترامب في المنطقة يهدف أيضا إلى مواجهة هيمنة الصين على المواد الخام.
قواعد اللعبة الجديدة
إن قوة الصين اليوم في مجال المواد الخام الحيوية ترتبط أيضا بمبادرة الحزام والطريق وهو مشروع بنية تحتية عالمي يشمل الموانئ والطرق والسكك الحديدية والذي فتح في بعض الأماكن طرقا لنقل المواد الخام لأول مرة. ويقول الاقتصادي شيكواتي: “إنهم ينظرون إلى استراتيجيات البنية التحتية عبر الحدود. فعلى سبيل المثال عندما يبنون خط سكة حديد في كينيا لا يهدفون إلى ربط نيروبي. بل يريدون تمديده إلى الكونغو أو السودان أو الساحل الغربي لأفريقيا”.
ويتحدث شيكواتي عن “قواعد اللعبة الجديدة” التي جلبها المستثمرون من الشرق والتي يتعين على المؤسسات الأفريقية وكذلك الغرب التكيف معها من أجل الاستمرار في لعب دورهم.
في الأسابيع الأخيرة من ولايته أطلق الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن مبادرة لدعم ممر لوبيتو وهو مشروع يمكن أن ينافس تماما التدابير الفردية لمبادرة الحزام والطريق: تربط الطرق والسكك الحديدية حزام النحاس في الكونغو بالساحل الأطلسي لأنغولا. كما يدعم الاتحاد الأوروبي نوسعته. وفي أوائل نوفمبر اطلع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير على حجم الإمكانات المتاحة في الموقع برفقة وفد اقتصادي.




