خاصأبرزرأي

زيارة عون إلى إسبانيا نقطة تحوّل في مسار العلاقات

حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

شكّلت الزيارة الأخيرة لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون واللقاءات التي رافقتها محطةً مفصليةً في مسار العلاقات اللبنانية – الإسبانية، ليس فقط لجهة إعادة تفعيل قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي، بل لكونها أسست عمليًا لعلاقات متينة ذات طابع استراتيجي، تندرج ضمن توجه أوسع يقوده رئيس الجمهورية لإعادة وصل لبنان بعمقه الأوروبي بعد سنوات من الفتور والانكفاء. وقد عكست هذه الزيارة رغبةً متبادلةً في الانتقال من منطق العلاقات التقليدية إلى شراكة أكثر فعالية، قوامها الاستقرار الأمني، والدعم المؤسسي، والتعاون الاقتصادي المتعدد الاتجاهات.

في البعد السياسي، برز اهتمام إسباني واضح بمواكبة الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار في لبنان، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار هذا البلد يشكّل ركنًا أساسيًا من أركان أمن المتوسط وأوروبا الجنوبية. وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة مدريد في مؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، المقرر عقده في باريس في الخامس من آذار المقبل، أهميةً خاصة، إذ تشكّل رسالةً سياسيةً مباشرةً تؤكد التزام إسبانيا بدعم المؤسسات الشرعية اللبنانية، وحرصها على تعزيز قدراتها في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية القائمة. هذه المشاركة لا تُقرأ كخطوة رمزية، بل كجزء من مقاربة أوروبية أشمل ترى في الجيش وقوى الأمن الداخلي صمام أمان داخليًا لا غنى عنه.

أما في الشق الأمني – الميداني، فقد حملت المباحثات بعدًا متقدمًا تمثّل في إبداء إسبانيا رغبتها في الإبقاء على وحدات من قواتها المسلحة في الجنوب اللبناني بعد اكتمال انسحاب قوات “اليونيفيل” في العام 2027. هذا التوجّه يعكس إدراكًا إسبانيًا لحساسية المرحلة المقبلة، وضرورة عدم ترك فراغ أمني أو رقابي في منطقة لطالما شكّلت بؤرة توتر إقليمي. غير أن هذا الدور المرتقب لن يكون امتدادًا تقليديًا لمهام “اليونيفيل”، بل سيحمل طابعًا مختلفًا، يركّز على مهام رقابية وداعمة، ما يستدعي ترتيب إطار قانوني وسياسي واضح للبقاء، وتحديد المظلة التي ستغطي هذا الدور الجديد.

من هنا، برز النقاش حول الحاجة إلى توفير غطاء دولي أو أوروبي، سواء عبر الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، يضمن شرعية هذا الوجود واستدامته، إلى جانب تأمين التمويل اللازم لتنفيذ المهام الموكلة إليه. هذا البعد يعكس انتقال العلاقة من مستوى التنسيق الظرفي إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، حيث يصبح الجنوب اللبناني مساحة تعاون دولي منظم، لا مجرد ساحة انتشار عسكري مؤقت.

اقتصاديًا، لم تقل زيارة الرئيس عون أهمية، إذ أبدت إسبانيا عزمها الواضح على تعزيز التعاون الاقتصادي مع لبنان في مختلف المجالات، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقرار السياسي والأمني لا يكتمل من دون نهوض اقتصادي. وقد تُرجم هذا التوجّه عمليًا عبر توقيع ثلاث مذكرات تفاهم شملت مجالات دبلوماسية وزراعية وثقافية، ما يفتح الباب أمام شراكات نوعية في قطاعات حيوية، من تطوير الزراعة وتبادل الخبرات، إلى دعم الصناعات الثقافية وتعزيز التبادل الأكاديمي والسياحي.

من هنا يمكن القول إن هذه الزيارة شكّلت نقطة تحوّل حقيقية في مسار العلاقات اللبنانية – الإسبانية، وأعادت إدراج لبنان على خارطة الاهتمام الأوروبي الفاعل، لا كمجرد ملف أزمات، بل كشريك قابل للاستثمار السياسي والأمني والاقتصادي. ومع إعادة رئيس الجمهورية تنشيط علاقات لبنان مع الأوروبيين، تبدو هذه الدينامية مرشحة لأن تنعكس إيجابًا في كل الاتجاهات، واضعةً البلاد على مسار انفتاح مدروس قد يشكّل رافعةً أساسيةً في مرحلة إعادة التوازن والاستقرار.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى