رأي

زيارة الرئيس أردوغان للسعودية ومصر.. عودة قوية

كتب رخا أحمد حسن, في الشروق:

أظهرت نتائج زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان لكل من السعودية فى 3 فبراير، ومصر فى 4 فبراير 2026، كيف سعت واستطاعت تركيا توثيق علاقاتها فى جميع المجالات مع كل من مصر والسعودية بناء على قاعدة المصالح المشتركة من ناحية وتعزيز توجه تركيا إلى دعم مراكزها فى الشرق الأوسط وإفريقيا من ناحية أخرى استنادًا إلى مصالح حقيقية مشتركة من اقتصاد وتجارة واستثمار وتعاون سياسى وأمنى، وذلك بعد أن أيقنت تركيا عدم إمكانية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبى لاتساع شقة الاختلافات الثقافية، وأن انتماءها الطبيعى والحقيقى إلى الشرق الأوسط وأواسط آسيا، والعمل بقاعدة أن المصالح تتصالح، وإعلاء المتفق عليه على أى خلافات.

حرص الرئيس أردوغان فى زيارته لمصر والسعودية على عدة أمور بالغة الأهمية، منها أهمية وضرورة الإعداد الجيد لكلا الزيارتين بلقاءات متعددة للوزراء والخبراء واللجان الفنية من الجانب التركى مع الجانبين السعودى والمصرى كل على حدة، لصياغة الاتفاقات ومذكرات التفاهم والبناء على ما هو قائم من تعاون فى جميع القطاعات والعمل على تعظيمه بما يحقق شبكة متكاملة من المصالح المشتركة التى لا تؤثر عليها مواقف سياسية طارئة. كما حرص الرئيس أردوغان على أن يرافقه فى الزيارتين وفد رسمى رفيع المستوى من وزراء الخارجية، والدفاع، ووزير الأسرة والخدمات الاجتماعية، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية، ووزير الشباب والرياضة، ووزير المالية والخزانة، ووزير الصحة، ووزير الصناعة والتكنولوجيا، ووزير التجارة، ورئيس الاستخبارات التركية، ورئيس الصناعات الدفاعية، وعدد من كبار المسئولين. كما رافقه وفد كبير من رجال الأعمال الأتراك من القطاعين العام والخاص فى كل القطاعات. وقد التقى كل هؤلاء بنظرائهم فى السعودية ومصر، وأسفرت اللقاءات عن عدة نتائج تعد بمثابة طفرة جديدة فى علاقات تركيا بكلا البلدين.

  • • •
    أسفرت زيارة أردوغان والوفد المرافق له للسعودية عن نتائج مهمة، أبرزها العمل على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمار، وتطوير قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتقنيات المتقدمة والدفاع والأمن، وتعزيز التعاون فى مجال البيئة والمناخ والطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة، والعمل على تنمية التبادل التجارى غير البترولى، وتكثيف الزيارات المتبادلة بين المسئولين فى القطاعين العام والخاص، وعقد الفعاليات التجارية فى البلدين من خلال مجلس الأعمال السعودى ــ التركى. وأهمية إنجاز اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجى وتركيا. وتعزيز الاستثمارات المتبادلة سواء السعودية فى تركيا فى القطاعات المالية والتأمين والطاقة المتجددة، والعقارات والتصنيع والخدمات، أو الدور الحيوى للشركات التركية فى السعودية فى مختلف القطاعات بما فيها الهندسة والبناء والتشييد، والتطوير العقارى والصناعات التموينية، وفى الزراعة والبتروكيماويات والاستخدامات المبتكرة للموارد الهيدروكربونية، والكهرباء، والطاقة المتجددة؛ وتبادل الخبرات فى كل هذه المجالات، والتعاون فى مجال استكشاف الموارد المعدنية واستخراجها ومعالجتها، والتعاون الدولى فى مجال المعادن النادرة لضمان أمن سلاسل الإمداد. والتعاون فى مجال الاقتصاد الرقمى والذكاء الاصطناعى، وتقنيات الفضاء، والنقل والخدمات اللوجستية والطيران المدنى، والعدل والثقافة، والسياحة والرياضة، والأمن الغذائى، والصناعات العسكرية، والإعلام. واستمرار التعاون فى المنظمات والمحافل الدولية والمؤسسات المالية والاقتصادية متعددة الأطراف، والاهتمام بمكافحة الجرائم بكل أنواعها، والتطرف والإرهاب وتمويله، والأمن السيبرانى.

تم الاتفاق على تكثيف جهود صون السلام والأمن الدوليين، وتبادل وجهات النظر فى الساحتين الدولية والإقليمية. وجرى فى هذا السياق التشاور بشأن الأوضاع فى قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والانتهاكات الإسرائيلية، ودعم الشرعية اليمنية ووحدة واستقلال كل من اليمن والصومال والسودان، وسوريا وما تشهده من تطورات إيجابية ودعم من تركيا والسعودية، وقد أشاد الجانب السعودى بالطائرة التركية المقاتلة «قآن» وأنه يجرى البحث بشأن المشاركة السعودية فى إنتاجها.

  • • •
    مثلت زيارة الرئيس أردوغان والوفد المرافق له لمصر، انتقالة نوعية فى العلاقات بين البلدين فى كل المجالات. وعقد خلال الزيارة الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى بين البلدين، وتناول تطورات العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها فى مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وبحث مستجدات القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتوقيع عدة مذكرات تفاهم بين البلدين فى مجالات التعاون العسكرى والأمنى، والتجارة والاستثمار، والأدوية والمستلزمات الطبية، والحماية الاجتماعية، والشباب والرياضة، والحجر النباتى والخدمات البيطرية. وسبق عقد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجى فى أنقرة فى سبتمبر 2024، ووضع هدفا لزيادة إجمالى قيمة التبادل التجارى بين البلدين ليصل إلى 15 مليار دولار أمريكى بحلول عام 2028، وقد حقق زيادة ملحوظة خلال عام 2025 حيث وصل إلى نحو 9 مليارات دولار، والعمل على إزالة أى معوقات لتحقيق هذا الهدف. وعقد على هامش الزيارة اجتماع مهم للغاية لرجال الأعمال الأتراك مع نظرائهم المصريين بحضور الرئيسين السيسى وأردوغان. وكان قد عقد الاجتماع الأول لمجموعة التخطيط المشترك بين البلدين فى نوفمبر 2025 إعدادا للزيارة.

وأكد الرئيس أردوغان أن مصر أكبر شريك تجارى لتركيا فى القارة الإفريقية، وأن العلاقات معها ارتقت إلى أفضل مستوى فى كل المجالات، ودعا إلى استثمار العلاقات التاريخية بين البلدين، وأن حجم استثمارات الشركات التركية فى مصر قد اقترب من نحو 4 مليارات دولار أمريكى، وأن مصر وتركيا تهدفان إلى تأسيس نموذج اقتصادى يقوم على أساس التكامل، بما يعزز قدرتهما على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

وتضمن البيان المشترك عقب الزيارة الاتفاق على عدة قضايا وموضوعات، ومن بينها التنسيق والتعاون فى المحافل الدولية والإقليمية دعماً للجهود العالمية الرامية إلى التصدى للتحديات المشتركة، وصون السلم والأمن الدوليين، وتحقيق التنمية المستدامة، والتصدى لتغير المناخ وحماية البيئة والأمن الغذائى، وتشجيع تبادل الوفود وتنظيم المعارض، وعقد منتديات الاستثمار وتعزيز التجارة بين البلدين، وتحسين بيئة الاستثمار، والترحيب بإنشاء اللجنة الوطنية لتعزيز ومتابعة الاستثمارات التركية فى مصر بهدف مزيد من تيسير الاستثمارات، والتعاون الصناعى ونقل التكنولوجيا، والابتكار الصناعى والتصنيع عالى القيمة ومنها صناعة السيارات والآلات والتشييد وتطوير البنية التحتية والطاقة المتجددة والزراعة، والسياحة والطاقة، والصناعات الدوائية والأجهزة الطبية ونظم الرعاية الصحية والسياحة العلاجية وإعادة التأهيل الطبى، والتعاون فى مجال تبادل العمال، وفى مجال الآثار، والثقافة والتعليم العالى. والاهتمام بالتنمية الإقليمية فى أفريقيا فى مجالات البنية التحتية والتشييد والتنمية الحضرية.

  • • •
    تناولت الزيارة القضايا والأزمات الإقليمية والتوافق على دعم حل الأزمة الليبية بالتعاون مع الأمم المتحدة ورؤية مصر بإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا. ودعم تنفيذ خطة ترامب لتحقيق السلام فى غزة، وإبداء الاستعداد للمساهمة فى عملية التعافى المبكر وإعادة الإعمار فى قطاع غزة، والتعاون فى مكافحة الإرهاب فى دول الساحل الإفريقية، والتأكيد على احترام سيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه ورفض أى إجراء يقوض ذلك وتعزيز استقراره والتنمية المستدامة فيه وإدانة أى محاولات لوجود عسكرى على سواحل البحر الأحمر، وأهمية تأمين البحر الأحمر واستعادة المستويات الطبيعية للملاحة البحرية الدولية العابرة منه. والتعاون مع القوى الدولية والإقليمية من أجل خفض التصعيد والعودة إلى المفاوضات الأمريكية الإيرانية المبنية على حسن النوايا والاحترام المتبادل للوصول إلى اتفاق يحقق المصالح المشتركة. والإقرار بأهمية نهر النيل لمصر لندرة المياه فيها، والاتفاق على التعاون الفنى فى استدامة استخدام المياه. وضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية فى السودان تفضى إلى إطلاق مسار سياسى شامل مع الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية. وبحث التداعيات الاقتصادية للأزمة الأوكرانية على الدول النامية، وضرورة ضمان الأمن الغذائى وأمن الطاقة الدوليين. كما تم الاتفاق على عقد الاجتماع الثالث لمجلس التعاون الاستراتيجى فى أنقرة عام 2028.

لقد اتسمت السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة بالواقعية والمرونة التى تساعد على تجاوز الخلافات أو التغاضى عنها إعلاء للمصالح العملية المشتركة، وتوظيف العلاقات السياسية لتعزيز التعاون الاقتصادى والتجارى والاستثمارى، بل وصولاً إلى التعاون الأمنى والعسكرى، بما يخدم مصالحها وشركائها، وإحلال المنافسة بالتفاهم محل المواجهة. وقد حققت هذه السياسة العملية معادلة المصالح المتبادلة بين تركيا وكل من مصر والسعودية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى