روسيا… أربع سنوات من الحرب ومن تواضع المكاسب

مالك ونوس – العربي الجديد:
تمرّ هذه الأيام ذكرى إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الحرب على أوكرانيا، والتي تحوّلت بسرعة إلى حربٍ عبثية، بسبب لا عقلانية أهدافها وتواضع المكاسب التي جنتها موسكو منها، مقارنةً بالخسائر التي مُنيَت بها، ومُنيَ بها شعبا البلدين. وهذه الحرب التي أراد لها بوتين أن تكون خاطفةً، لا تتجاوز مدتها عشرة أيام أو 15 يوماً على الأكثر، وأطلق، استناداً إلى ذلك، عليها تسمية “العملية العسكرية الخاصة”، ها هي تكمل سنتها الرابعة، وسط ضبابية تحكُم مصيرها، مع إمكانية استمرارها مدّة أطول، وغموض حول مستقبل بلاده وأوكرانيا. وقد امتدّ غموضها ليشمل مستقبل القارّة الأوروبية نفسها، من خلال التأثير على اقتصاداتها واتحادها، ليصبّ الضرر في خانة شعوب القارّة، ويتضاعف مع كل يوم يمضي من دون أن تتوقف فيه هذه الحرب، أو تظهر النيات لوقفها.
وكما لم تكن دوافع الرئيس الروسي لشن الحرب منطقيةً أو مقنعة لشعبه أو للشعوب الأخرى، وليست على تلك الدرجة من الضرورة، بحيث أنها تُوجِب شن حربٍ، أو حتى عملية خاصة، فإن استمرارها يعد بمثابة الانتحار العمد، بسبب عدم وجود أملٍٍ بوقفها، وعدم تحقيقها، حتى اللحظة، الأهداف الرئيسة التي وضعها عندما بدأت، في 24 فبراير/ شباط 2022. فالهدفان الرئيسان لها، وهما تغيير الحكم في كييف عبر إسقاط الرئيس فولوديمير زيلينسكي، بتنصيب حكومة موالية لروسيا، ووقف تمدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) عبر منع أوكرانيا من الانضمام إليه. لم يفشل الهدفان فحسب، بل جاءت النتائج بعكس ما أراد بوتين، مع مساندة دول الغرب حكومة كييف، والتفاف غالبية زعماء العالم حول زيلينسكي، وعُزلت روسيا عن العالم، وزادت قوة الحلف، وانضمت السويد وفنلندا المحايدتان إليه. وفي هذا الإطار، وفي دليلٍ على التناقض الضمني داخل شخصية بوتين، ما زال الجميع يتذكر اليوم الذي كان فيه بوتين عازماً على الانضمام إلى “الناتو”، حين اقترح الأمر على الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، في لقاء جمعهما سنة 2000. واقترح هذا في سياق سعي بلاده إلى استعادة مكانتها عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، فهو يعطي الحق لبلاده لتقوية مكانتها وتعزيز اقتصادها بهذه الطريقة، ويحرم حقّ دولة أخرى من السعي إلى ذلك بالطرق التي تراها.
المعدل الوسطي لتقدم الجيش الروسي في الأراضي الأوكرانية راوح بين 15 إلى 70 متراً في اليوم على مدى أربع سنوات، وهو ما يعدّ بمثابة الفضيحة بالنسبة لجيش بهذه الضخامة
على الرغم من العلاقة الطيبة التي كانت تجمع بوتين مع كثيرين من قادة الدول الأوروبية، واعتماد الأخيرة بنسبة كبيرة على النفط والغاز الروسيين، ما جعلها سوقاً أساسية لهذين المنتجين، ومصدراً مهمّاً من مصادر ثروة روسيا المالية، كانت عين بوتين تجول فيها بحثاً عن طريقةٍ لإضعافها، وفي مرحلة لاحقة لتفكيك الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع أحزاب اليمين الأوروبية التي كان عدد منها يتلقى الدعم السخي من بوتين. أما هدفه من هذا، وكذلك من الحرب على أوكرانيا، فكان تنصيب بلاده قطباً دولياً جديداً، كما كان عليه الأمر في فترة الحكم السوفييتي. غير أن هذين الهدفين لم يتحققا، بل استطاعت أوروبا تجاوز عوامل الضعف، وإيجاد مصادر بديلة عن النفط والغاز الروسيين، كما زادت من إنفاقها العسكري، لزيادة قوة الردع لديها ومنع بوتين من توسيع الحرب، علاوة على سعي قادتها الدائم إلى تقليل الخلافات بين دولها وتقوية الوحدة السياسية التي أحدثت حرب بوتين خللاً فيها.
أما تنصيب بلاده قطباً دولياً، فإن عوامل عديدة تمنع تحقيق هذا الهدف، خصوصاً أن ظهور الجيش الروسي بمظهر الضعف، حين فشل في حسم الحرب وفق الخطة الموضوعة وضمن الفترة المحددة، أعطى انطباعاً عن ضعف السلاح الروسي، علاوة على تهاوي سمعة هذا الجيش الروسي، حين فشل في تقليل الخسائر في صفوفه. وفي هذا السياق، كان مفاجئاً حجم الخسائر التي مني بها؛ إذ أفاد تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الأميركي، في 27 يناير/ كانون الثاني الماضي، بأن خسائر الجيش الروسي بلغت حتى وقت إعداد التقرير مليوناً ومائتي ألف جندي، بين قتيل وجريح ومفقود، ما جعل روسيا الأولى بين القوى العظمى الأكثر خسارة في عدد الجنود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفق التقرير الذي أظهر، وللمفارقة، أن المعدل الوسطي لتقدم الجيش الروسي في الأراضي الأوكرانية راوح بين 15 إلى 70 متراً في اليوم على مدى أربع سنوات، وهو ما يعدّ بمثابة الفضيحة بالنسبة لجيش بهذه الضخامة في القوة والعدد والعتاد والتدريب. أما المساحة التي سيطر عليها فلم تتعدَّ 12% من مساحة أوكرانيا، وهي سيطرة غير كاملة، وتحتاج المحافظة عليها إلى تكاليف عسكرية واقتصادية ضخمة، علاوة على عدم اعتراف أي من الدول بضم تلك المناطق إلى الدولة الروسية.
توفرت عوامل قوة، وفائض قوة كبير، لدى بوتين عندما قرّر الشروع في الحرب، لكنه حالياً يحتاج إلى عوامل قوة أكبر من أجل إنهائها
إذا كان هدف بوتين من الحرب صعود بلاده قطباً يُضعِف، بطريقةٍ ما، القطب الأميركي، فإن حربه على أوكرانيا أدّت، من حيث يدري أو لا يدري، إلى زيادة قوة الولايات المتحدة، وترسيخها القطب الأوحد في العالم، عندما جعلتها تعيد تشغيل مصانع السلاح بكامل طاقتها، من أجل تزويد أوروبا بما تحتاج إليه من مختلف أنواع الأسلحة لتعزيز دفاعها الذاتي ولمساندة الجيش الأوكراني. وأعطى هذا الأمر دفعةً هائلةً من القوة للاقتصاد الأميركي، زادت من موارد أميركا المالية من هذا القطاع، لتضاف إلى الأرباح التي جنتها عندما تحوّلت أوروبا إلى الاعتماد على الغاز والنفط الأميركيين لسدّ الفجوة بعد انقطاع السيل الروسي. وهذا حفَّز أميركا فأصبحت المنتج الأول في العالم لهاتين السلعتين الاستراتيجيتين سنة 2026، وهي التي أضحت أكبر مصدر للغاز المسال في العالم سنة 2025، ما زاد من هيمنتها على قطاع الطاقة في العالم، وهي مرتبة لم تكن لتصلها إلا بعد تقهقر قطاع الطاقة الروسي جراء الحرب.
في هذا الوقت، وفي سعي إلى زيادة خسائر قطاع الطاقة الروسي، اعتمدت كييف استراتيجية جديدة تقوم على استهداف قطاع النفط والغاز الروسيين، عبر ضرب المنشآت الخاصة من منابع نفط وغاز ومراكز تخزين ومصافي تكرير وطرق إمداد ومحطّات ضخ، وغيرها من البنى التحتية الخاصة بهذا القطاع. وإضافة إلى العقوبات الغربية التي زادت من مصاعب موسكو المالية، تساهم هذه الاستراتيجية في تقليل موارد تمويل الحرب، وربما التأثير على قرار الاستمرار فيها، نتيجة تأثيرها على الإمدادات اللوجستية للجيش الروسي، ما يُضعف موقفه في المعارك. وتفيد التقديرات بأن أوكرانيا استهدفت أكثر من 150 هدفاً نفطياً روسياً خلال سنتي 2025 و2026. ولا تهدّد هذه الاستراتيجية قطاع الطاقة الذي تعتمد عليه موسكو في تمويل الحرب فحسب، بل أيضاً اقتصادها ومصادرها المالية، عبر زيادة كلفة الإنتاج بسبب المخاطر، وتكاليف الترميم العالية.
توفرت عوامل قوة، وفائض قوة كبير، لدى بوتين عندما قرّر الشروع في الحرب، لكنه حالياً يحتاج إلى عوامل قوة أكبر من أجل إنهائها؛ إنه القرار السياسي الذي بدا أنه لا يجرؤ على اتخاذه، وهنالك سمعة بلاده ومكانته شخصياً. غير أن خسائر بلاده التي تتزايد مع كل يوم يمضي من دون توقفها، وتواضع، إن لم يكن انعدام المكاسب التي توفرت لروسيا من هذه الحرب، وتراجع ثقة دول العالم بروسيا، ربما تكون الدافع الأكبر له لاتخاذ ذلك القرار، وهو قرار قد يظهره قوياً وليس ضعيفاً، كما يعتقد، وربما يكون فرصةً لإعادة إدماج بلاده في النظام الدولي من جديد.




