أبرزرأي

رفع القيود عن النفط الروسي: أوروبا تُخطّئ أميركا

سعيد محمد – الأخبار:

أثار قرار الولايات المتحدة تخفيف القيود المفروضة على شحنات النفط الروسي الموجودة في عرض البحر، امتعاض حلفاء واشنطن الغربيين، في وقت تشهد فيه إمدادات الطاقة اضطراباً حادّاً نتيجة العدوان على إيران.

فيما كسرت أسعار النفط في الأسواق العالمية الحاجز النفسي بتجاوزها المئة دولار للبرميل، اتخذت الإدارة الأميركية خطوة استراتيجية أثارت موجة من الجدل عبر العواصم الغربية، تمثّلت في تخفيف القيود المفروضة على شحنات النفط الروسي العالقة في البحار، والسماح بتفريغها حتى أوائل نيسان/ أبريل المقبل. وتعكس هذه الخطوة تحولاً مفاجئاً في أولويات الولايات المتحدة التي سعت، طوال العامَين الماضيين، إلى خنق موارد الكرملين المالية بكلّ الوسائل، قبل أن تأتي القفزة الكبيرة والمُقلِقة في أسعار النفط نتيجة للعدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، لتدفع البيت الأبيض إلى تقديم استقرار أسواق الطاقة العالمية وحماية الاقتصاد المحلّي من التضخّم، على استمرار سياسة تشديد الحصار الاقتصادي الشامل على روسيا.

واعتبر خبراء ومراقبون اقتصاديون أن موسكو تقف على أعتاب تحقيق مكاسب مالية ضخمة وغير متوقَّعة من وراء التوجّه الأميركي هذا، وهو ما سيُسهِم في ترميم ميزانيتها العامة التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة في أوكرانيا. ووفقاً لتحليلات نقلتها صحف لندن عن “معهد كارنيغي للسلام الدولي”، فإن الارتفاع الحالي في الأسعار يصبّ مباشرة في مصلحة الخزانة الروسية؛ إذ إن كلّ زيادة بمقدار عشرة دولارات في سعر برميل النفط العالمي تمنح الحكومة الروسية إيرادات ضريبية إضافية تُقدَّر بنحو مليار وستمئة مليون دولار شهرياً. وفي حال استقرّت الأسعار عند مستوياتها المرتفعة الحالية لمدّة ستة أشهر متواصلة، فإن موسكو ستحصل على تدفّقات نقدية تزيد على ثمانية وثلاثين مليار دولار، وهو مبلغ ضخم كفيل بتغطية الجزء الأكبر من العجز المالي الروسي لعام 2025 الذي استقرّ عند قرابة خمسين مليار دولار، ما يمنح الكرملين القدرة على المناورة الاقتصادية والعسكرية في آن واحد.
وعلى الرغم من تأكيدات وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن هذا الإجراء مجرّد تدبير فني مؤقّت لإنهاء وضع شحنات بدأت رحلاتها فعلياً، ولا يهدف إلى تقديم دعم مالي مباشر للحكومة الروسية، إلا أن القوى الأوروبية الحليفة استقبلت هذه الخطوة بحالة من الامتعاض والمعارضة الشديدة التي بدأت تظهر ملامحها في تصريحات رسمية متلاحقة، إذ اعتبر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن التحدّيات الأمنية والجيوسياسية الناجمة عن إغلاق إيران لمضيق “هرمز” لا يمكن في حال من الأحوال أن تشكّل ذريعة مقبولة لتخفيف الضغط الاقتصادي عن روسيا، مضيفاً أن هذا المسار السياسي قد يمنح القيادة الروسية انطباعاً خاطئاً بإمكانية استغلال الأزمات الدولية المختلفة لتحقيق مكاسب خاصة. وفي برلين، وصف المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، أي خطوة لتخفيف العقوبات في هذا التوقيت بالذات، بأنها قرار خاطئ من الناحية الاستراتيجية ويفتقر إلى الرؤية البعيدة المدى، مشدّداً على ضرورة بقاء الجبهة الغربية موحّدة وصلبة في مواجهة الطموحات الروسية التي تتجاوز حدود أوكرانيا.

أمّا كييف، التي تراقب بحذر شديد كلّ تحوّل في الموقف الأميركي، فقد كان ردّ فعلها أكثر حدّة؛ إذ اعتبر الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن هذه التسهيلات النفطية الأميركية تمثّل تراجعاً خطيراً يضرّ بجهود التسوية الدولية بشكل مباشر، ويقوّض التضحيات التي قدّمها الشعب الأوكراني. ويرى الرئيس الأوكراني أن السماح بمرور وتدفّق قرابة مئة وعشرين مليون برميل من النفط الروسي – وهي الكمية التي تقدّر المؤسسات المتخصّصة وجودها حالياً في عرض البحر -، يمنح روسيا مواردَ نقدية فورية وسيولة مالية ستستخدمها بشكل مباشر في تمويل عملياتها العسكرية وتطوير ترسانتها الحربية. ويخشى نظام كييف من أن يفتح هذا الاستثناء التقني الباب على مصراعيه أمام دول أخرى للمطالبة بمزيد من التسهيلات والإعفاءات المماثلة، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار تدريجي وشامل لمنظومة العقوبات الدولية التي استغرق بناؤها وتنسيقها وقتاً طويلاً، وجهداً دبلوماسياً مضنياً.

أمّا من الناحية اللوجستية وتأثير القرار على حركة الملاحة الدولية، فإن تقارير حركة الشحن البحري تشير إلى أن قرار واشنطن يمثّل متنفّساً كبيراً وحيوياً لما يُعرف بـ”أسطول الظلّ” الروسي، الذي يضمّ مجموعة من السفن والناقلات العاملة خارج منظومة الأطر القانونية التقليدية للتأمين والشحن الغربي. وبحسب مراقبين، فإن روسيا باتت تملك الآن نوعاً من “التصريح الضمني” للعمل بحرية أكبر في الأسواق الآسيوية المتعطّشة للطاقة، وذلك بسبب تأثّر الإمدادات من الشرق الأوسط. وبالفعل، بدأت مصافٍ كبرى في دول من مثل اليابان وتايلاند والفيليبين إجراء تقييمات فنية وتجارية لإمكانية الاستفادة من هذه الشحنات التي حصلت على ضوء أخضر أميركي مؤقت. ويعني هذا التحوّل أن النفط الروسي الذي كان يواجه في السابق صعوبات بالغة في العثور على مشترين أو تأمين طرق النقل بسبب التهديدات القانونية الأميركية الصارمة، أصبح الآن سلعة مطلوبة بشدة لسدّ العجز العالمي الناتج من العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، وهو ما من شأنه أن يمنح موسكو نفوذاً جيوسياسياً جديداً وقدرة على استخدام الطاقة كأداة سياسية فاعلة.
إزاء ذلك، سارعت الأوساط الرسمية الروسية إلى الترحيب بما وصفته بـ”الواقعة الأميركية الجديدة” التي تفرضها حقائق السوق واحتياجات الاستهلاك العالمي. واعتبر المبعوث الاقتصادي للكرملين، كيريل ديمترييف، أن التراجع الغربي التدريجي عن نظام العقوبات بات أمراً حتمياً لا مفرّ منه، وهو نتيجة طبيعية لعدم قدرة الاقتصاد العالمي على الاستغناء عن مصادر الطاقة الروسية الضخمة. وذهب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بدوره، أبعد من ذلك، معيداً تقديم عرضه المثير للجدل باستئناف إمدادات الطاقة الكاملة إلى القارة الأوروبية، ولكن وفق شروط جديدة تتضمّن إبرام عقود طويلة الأمد، والحصول على ضمانات سياسية وقانونية برفع العقوبات بشكل دائم. ويضع هذا العرض العواصم الأوروبية في موقف سياسي محرج أمام شعوبها التي تعاني ارتفاعات متسارعة في تكاليف المعيشة وفواتير الطاقة بسبب الحرب على إيران، بينما تصرّ الحكومات على التمسك بالمبادئ السياسية والعقوبات الصارمة رغم التراجع الملحوظ في موقف واشنطن.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى