خاصأبرزرأي

رسالة فرنسية حازمة الى لبنان

حسين زلغوط

خاص_”رأي سياسي”:

تستعدّ بيروت لاستقبال وزير الخارجية الفرنسي جان لوي بارو بعد أيام قليلة ، في زيارة تحمل في طياتها أكثر من بعد دبلوماسي، وأبعد من مجرّد متابعة الملف اللبناني المزمن. فالرسالة التي سيحملها المسؤول الفرنسي وُصفت بالتحذيرية، ومضمونها واضح: أي انخراط لحزب الله في حرب محتملة بين الولايات المتحدة وإيران سيضع لبنان تلقائياً في مرمى ضربة إسرائيلية واسعة، على غرار ما شهده في حرب عام 2024، مع ما تحمله من كلفة بشرية واقتصادية وسياسية باهظة.

تأتي هذه الرسالة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يتصاعد منسوب التوتر بين واشنطن وطهران الى حد توقع نشوب الحرب بين ليلة وضحاها ، وفي مثل هذه الظروف، يصبح لبنان الحلقة الأضعف، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك ساحته الداخلية مع صراعات الخارج، مما يجعل أي مواجهة كبرى قابلة للتمدّد سريعاً نحو الجنوب اللبناني.

التحذير الفرنسي لا ينطلق من فراغ. باريس، التي تحتفظ بعلاقة تاريخية مع لبنان وبحضور سياسي وأمني فاعل في جنوبه، تدرك أن إسرائيل لن تفصل بين أي مواجهة مع إيران وأذرعها الإقليمية. ومن هذا المنطلق، فإن أي خطوة عسكرية من حزب الله، ولو كانت محسوبة أو محدودة، قد تُقابل بردّ إسرائيلي واسع النطاق، يتجاوز قواعد الاشتباك المعروفة، ويعيد سيناريو الحرب الشاملة التي خبرها اللبنانيون قبل عامين، مع فارق أن قدرة لبنان اليوم على تحمّل ضربة مماثلة تكاد تكون معدومة.

في المقابل، تعكس الرسالة الفرنسية وفق مصادر سياسية مطلعة، قلقاً دولياً متزايداً من تحوّل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. فالدولة اللبنانية تعيش واحدة من أعمق أزماتها، اقتصادياً ومالياً ومؤسساتياً، فيما البنية التحتية لا تزال هشّة، والقدرة على الإغاثة أو إعادة الإعمار محدودة إلى حدّ كبير. أي حرب جديدة لن تكون مجرّد جولة عسكرية، بل قد تشكّل ضربة قاضية لما تبقّى من مقومات الدولة.

وتحمل الزيارة أيضاً بعداً سياسياً داخلياً، إذ يُتوقع أن تشدّد باريس على ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور، أو على الأقل ضبط إيقاع أي انخراط محتمل بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع لبناني معقّد، حيث قرار السلم والحرب لا يخضع بالكامل لمؤسسات الدولة، بل يتأثر بحسابات إقليمية أوسع، وبالتزامات استراتيجية تتجاوز الحدود اللبنانية.

من زاوية أخرى، يمكن قراءة التحذير الفرنسي كمحاولة استباقية للضغط على مختلف الأطراف، وليس فقط على حزب الله. فباريس تدرك أن إسرائيل بدورها ترفع سقف التهديدات، وتبحث عن فرص لإعادة رسم قواعد الردع في الشمال. وعليه، فإن الرسالة قد تكون موجّهة أيضاً لتأكيد أن أي تصعيد لن يمرّ من دون تداعيات سياسية ودبلوماسية، وأن المجتمع الدولي لن يكون قادراً على لجم الانفجار إذا اندلعت شرارته.

وفي تقدير المصادرأن الرسالة الفرنسية تعكس خشية حقيقية من أن يتحوّل لبنان مجدداً إلى ساحة حرب ، في وقت لا يملك فيه ترف المغامرة. وبين تحذيرات الخارج وتعقيدات الداخل، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح لبنان في تفادي العاصفة المقبلة، أم يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن صراع أكبر منه، وبأثمان لم يعد قادراً على تسديدها؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى