خيار أوروبا بين واشنطن وبكين

حين يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدول الأوروبية بعقوبات، أو يعتبر اتفاقات تجارية مع الصين «خطرة جداً»، فهو يرى أن العلاقات الأوروبية الصينية التي شهدت مؤخراً تنامياً متسارعاً سوف ترتد سلباً على الأمن القومي الأمريكي، لذلك يلوّح بإجراءات رادعة لإبقاء أوروبا مقيدة بالسياسات التي تراها واشنطن، في وقت يدير فيه الرئيس الأمريكي ظهره للحلفاء الأوروبيين.
فبعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين، ثم زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، وبعدهما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي أبرم عدة اتفاقيات اقتصادية، أثارت هذه الزيارات استياء ترامب في ظل المنافسة المتصاعدة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
تدرك أوروبا أن العلاقات عبر الأطلسي تشهد تحولاً في عالم غير مستقر، لذا بدأت تتعامل مع هذا التحول بما يحقق مصالحها، والعلاقات مع الصين في صلب هذا التحول، وهو ما أشار إليه ستارمر، مشيداً بـ «الفرص الاقتصادية» التي تتيحها زيارته إلى الصين، فيما دعا الزعيم الصيني شي جين بينغ إلى «تعزيز التعاون والحوار بين البلدين». وقد غادر رئيس الحكومة البريطاني بكين مع تعهدات بنحو 10 اتفاقيات تعاونية في مجالات الصحة والخدمات والهجرة غير النظامية، فضلاً عن خفض الرسوم المفروضة على الكحول. كما أبرمت شركات بريطانية عقود تصدير إلى السوق الصينية بقيمة 3 مليارات دولار، كذلك تعتزم متاجر «بوب مارت» الصينية فتح مركز إقليمي لها في بريطانيا. وأعلنت شركة «إسترازينيكا» البريطانية العملاقة للأدوية أنها تنوي استثمار 15 مليار دولار في الصين.
وإذا كان ستارمر يهدف من خلال هذه الزيارة البحث عن محركات لدعم الاقتصاد البريطاني المنهك للتعويض عن الخلافات والقيود التجارية المتصاعدة مع واشنطن، إلا أن الأخيرة ترى في التوجه الأوروبي نحو الصين جزءاً من قرار أوروبي بانتهاج سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة. ويتساءل القادة الأوروبيون كيف أن ترامب يرى التوجه نحو الصين «خطراً جداً» في حين أنه يعلن استعداده لإبرام اتفاقات معها، وقد أبرم في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي خلال اجتماعه مع الرئيس شي اتفاقاً على التخفيف من فرض قيود على تصدير بعض المعادن النادرة، وتكثيف الجهود للحد من تهريب الفنتاتيل غير المشروع. كما أنه يستعد لزيارة بكين في شهر إبريل/ نيسان المقبل لتوقيع سلسلة اتفاقيات أخرى، فقد أعلن أنه أجرى يوم الأربعاء الماضي محادثة هاتفية مع الزعيم الصيني وصفها بـ «الممتازة»، وبحث معه إمكانية شراء الصين المزيد من المنتجات الزراعية والنفط والغاز من الولايات المتحدة.
ترامب يريد أن تبقى أوروبا مقيدة بالشروط الأمريكية، ويحرمها من التواصل مع بكين وإقامة علاقات سياسية واقتصادية معها، وهو يسعى للشيء نفسه مع جارته كندا التي هددها بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المئة إذا أبرمت اتفاقات اقتصادية مع الصين.
يريد ترامب أن يجبر أوروبا على الاختيار بين واشنطن وبكين، لكن أوروبا ترى أن الاختيار صعب بعدما أدارت واشنطن ظهرها للحليف الأطلسي في الاقتصاد والحرب الأوكرانية وحلف «الناتو»، والتهديد بالاستحواذ على غرينلاند، إضافة إلى ضم كندا.
المصدر: الخليج




