خصخصة كاملة لقطاع النفط الفنزويلي: رودريغيز تُواصل وأْد التشافيزية

سعيد محمد – الأخبار:
تنفّذ الرئيسة المؤقتة لفنزويلا عملية هيكلة شاملة، من شأنها إنهاء الإرث التشافيزي، وذلك عبر شرعنة خصخصة قطاع النفط لصالح الشركات الغربية، والتأسيس لنظام براغماتي يخضع بالكامل للوصاية الأميركية.
تعيش فنزويلا «ما بعد نيكولاس مادورو» مرحلة سياسية واقتصادية جديدة، تعتمد بشكل كامل على التوجيهات المباشرة من الولايات المتحدة، إذ تنفّذ الرئيسة المؤقّتة للبلاد، ديلسي رودريغيز، ما يبدو أنها خطة هيكلية شاملة تعيد صياغة هوية فنزويلا، وتنتقل بها نحو تحرير الأسواق وفتح قطاع الطاقة أمام الشركات الغربية الكبرى. وتستجيب كاراكاس، في هذا السياق، بسرعة فائقة للإملاءات الأميركية، وذلك عبر سنّ قوانين نفطية جديدة، وتمرير تشريعات سياسية موجّهة، وإجراء تعديلات واسعة في المناصب الحكومية الحساسة.
وكان آخر المبعوثين الأميركيين إلى كاراكاس، وزير الطاقة كريس رايت، الذي قام بزيارة رسمية إلى هناك للدفع في اتجاه تسريع الانفتاح الاقتصادي. والتقى رايت بالرئيسة المؤقّتة، وطالبها بتطبيق إصلاحات أوسع نطاقاً في قطاع الطاقة، مشدّداً على ضرورة تقليص الروابط الفنزويلية مع دول من مثل الصين وروسيا وإيران. وبدا لافتاً، في خلال الزيارة أيضاً، تنقّل الموكب الأمني الضخم للوزير الأميركي بحرية تامة في شوارع العاصمة كاراكاس، وسط حماية مُشدّدة وفّرتها الأجهزة الأمنية الفنزويلية له.
وعلى وقع انكشاف مظاهر الوصاية الأميركية، أقرّت الجمعية الوطنية الفنزويلية (البرلمان) التي يرأسها خورخي رودريغيز – شقيق الرئيسة المؤقّتة -، تعديلات جذرية على قانون المحروقات، من شأنها تسهيل استحواذ الشركات الأجنبية على عقود التشغيل والإنتاج. ويخفّض التشريع الجديد حصة الدولة الفنزويلية من العائدات السيادية، وينتقل بها من نسبة 30% إلى نسب تُراوِح بين 15% و20%، وذلك لضمان تحقيق هوامش ربحية مرتفعة للمستثمرين الدوليين. كما يمنح القانون الشركات الخاصة صلاحيات حصرية لتشغيل حقول النفط وتحمّل تكاليفها وتسويق إنتاجها، وينقل صلاحيات البتّ في النزاعات التجارية والمطالبات المالية إلى هيئات التحكيم الدولية، مجرّداً النظام القضائي الفنزويلي من أي سلطة للبتّ في قضايا الطاقة.
واستفادت شركات النفط العالمية فوراً من هذه التشريعات المُستحدثة والتراخيص الممنوحة من جانب الإدارة الأميركية، إذ أعلنت شركة «ريپسول» الإسبانية عن خطة لزيادة إنتاجها النفطي بنسبة 50% خلال اثني عشر شهراً، ومضاعفة حجم الإنتاج ثلاث مرّات خلال ثلاث سنوات؛ علماً أن سقف إنتاج الشركة الإسبانية في فنزويلا كان 71,300 برميل يومياً في العام الماضي. والجدير ذكره، هنا، أن شركتَي «إيني» الإيطالية و«ريپسول» تطالبان الآن باسترداد ديون متراكمة على كاراكاس تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار، وذلك في مقابل إمدادات سابقة من الغاز ومادة النافثا.
وأكّد مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون» الأميركية، بدوره، وجود إمكانات هائلة في الحقول الفنزويلية، رابطاً توسيع الاستثمارات هناك بوضوح النظام المالي واستقرار الأوضاع. وتنتج «شيفرون» حالياً حوالي 250 ألف برميل يومياً بفضل تراخيص استثنائية سابقة، وتمثّل عملياتها ربع الإنتاج الفنزويلي الإجمالي. كما أبدت شركة «إكسون موبيل»، عبر رئيسها التنفيذي دارين وودز، التزامها بإرسال فرق متخصّصة لتقييم الفرص الاستثمارية المُتاحة، وذلك بالاعتماد على خبرتها الطويلة في معالجة النفط الفنزويلي وتكريره.
ويمثّل الغاز الطبيعي البحري قطاعاً استراتيجياً جاذباً للاستثمارات الغربية العاجلة؛ إذ تمتلك فنزويلا احتياطيات هائلة منه قبالة سواحلها الشرقية المتاخمة للحدود البحرية مع دولة ترينيداد وتوباغو، في حين تتصدّر حقول «دراغون» و«كوكوينا» خطط تطوير القطاع بمشاركة شركتَي «شِل» و«بريتش بيتروليوم». ونقلت صحف لندن عن وائل صوان، الرئيس التنفيذي لشركة «شل»، تأكيده إمكانية تفعيل هذه المشاريع خلال أشهر قليلة، وذلك بضخّ استثمارات بمليارات الدولارات.
وتتولّى واشنطن حالياً إدارة عائدات مبيعات النفط الفنزويلي بالكامل عبر آليات مالية خارجية تخضع للرقابة الصارمة من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة. ومن خلال تلك الآلية، احتفظت الولايات المتحدة بمبلغ يناهز 500 مليون دولار من مبيعات الناقلات البحرية المُصادَرة – في حساب مصرفي مخصّص لدى مصرف قطري -، قبل أن تفرج منه عن دفعة أولى بقيمة 300 مليون دولار ضخّتها في النظام المصرفي الفنزويلي لدعم العملة المحلية وكبح التضخّم.
يستشهد أنصار الرئيسة بضخامة الاستثمارات المُتوقّعة وارتفاع أسعار العقارات والسندات كدلالة على صوابية قراراتها
على أن هذه الترتيبات المالية أثارت تحرّكات مضادّة مكثّفة داخل الكونغرس الأميركي، مردّها إلى المخاوف من غياب الشفافية المؤسّسية. وقدّم أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ، منهم تشاك شومر وآدم شيف، مشروع قانون يطالب بإخضاع تلك الحسابات الخارجية لتدقيق محاسبي مستقلّ تنفّذه هيئات رقابية متخصّصة من مثل مكتب المُساءلة الحكومية. وعبّر المشرّعون عن رغبتهم في إيداع الأموال داخل مؤسسات مالية أميركية خاضعة للقوانين الفيدرالية، وذلك لضمان تتبّع مسارات الإنفاق ومنع تسرّب العائدات إلى جهات محظورة.
أمّا على الصعيد السياسي الداخلي في فنزويلا، واستجابة للضغوط الأميركية لتخفيف القيود الأمنية، فقد أصدرت الجمعية الوطنية قانون عفو جديداً يشمل فترات زمنية مُحدّدة تبدأ من عام 1999، تاريخ صعود الرئيس الأسبق هوغو تشافيز إلى السلطة. وأدّى هذا الإجراء إلى الإفراج عن أكثر من 400 سجين سياسي؛ علماً أن القانون الجديد يقصر قرارات العفو على المشاركين في تظاهرات سلمية محدّدة، في حين يبقي الأشخاص المُتهَمون بالتورّط في أعمال عُنفيّة مسلّحة قيد الاحتجاز. وتؤكد تقارير حقوقية استمرار احتجاز ما يُراوِح بين 600 و900 سجين سياسي في السجون الفنزويلية. لكنّ الرئيسة المؤقتة وجّهت طلباً علنياً إلى وزير الداخلية، ديوسدادو كابييو، بمراجعة ملفات السجناء المُستثنين من العفو. ويعكس هذا التوجيه تبايناً ما زال موجوداً داخل الهياكل الأمنية للسلطة، بين الجناح البراغماتي الحاكم والتيار التشافيزي. ومع ذلك، تواصل الرئيسة المؤقّتة إعادة توزيع المناصب الحساسة بغرض تأسيس توازنات جديدة؛ وهي شنّت لهذا الغرض حملة تطهير شاملة داخل مؤسسات الدولة استهدفت الشخصيات المرتبطة بالرئيس السابق، نيكولاس مادورو، شملت رجل الأعمال أليكس صعب، ومسؤولين آخرين في مواقع قيادية. على أنه كان لافتاً قرارها تعيين ابنة وزير الداخلية، دانييلا كابييو، في منصب وزيرة السياحة، في ما رآه خبراء محاولة لاسترضاء الرجل القوي الذي يمسك بالأجنحة العسكرية والأمنية القوية، وضمان استمرارية تماسك النخبة الحاكمة.
وتترافق هذه التحوّلات في الاقتصاد والسياسة، مع إحكام القبضة الأمنية في شوارع المدن الكبرى، إذ تنشر السلطات الفنزويلية نقاط تفتيش تابعة لفرق الاستخبارات العسكرية في أحياء العاصمة كاراكاس، وذلك لمراقبة التحرّكات الجماهيرية ومنع التجمعات المناهضة للتوجهات الجديدة. وكذلك تُفرض رقابة صارمة على المحتوى الإعلامي المُتداول في القنوات المحلية.
هكذا، تبدو فنزويلا، بعد أسابيع قليلة من اختطاف قوات أميركية للرئيس مادورو وزوجته، ماضية في التخلّص من إرث الثورية التشافيزية، وذلك تحت قيادة الرئيسة المؤقّتة التي يصفها مراقبون بـ«ديلسي-بينغ»، تشبيهاً لتجربتها بالتجربة الصينية بعد وفاة الرئيس ماو في عهد دينغ شياوبينغ، إذ إن هذه الأخيرة جمعت بين الانفتاح على الأسواق ورؤوس الأموال الأجنبية، والمحافظة التامة على سلطة مركزية مُطلقة تدير شؤون البلاد الداخلية، مع إبقاء الخطوط مفتوحة على الجانب الأميركي. وفي المقابل، يستشهد أنصار الرئيسة بضخامة الاستثمارات المتوقّعة وارتفاع أسعار العقارات والسندات كدلالة على صوابية قراراتها، متجاهلين أن أصابع واشنطن تتحكّم علناً بمفاتيح الاقتصاد والسياسة في كاراكاس، وأن مسألة استمرار رودريغيز ودائرتها في السلطة من عدمه، يقرّرها ساكن البيت الأبيض حصرياً.




