رأي

خسارة الصين في فنزويلا

كتب د. محمد السعيد إدريس في صحيفة الخليج.

معظم المؤشرات التي تُشير إلى أن الصين هي «الخاسر الأكبر» من العدوان الأمريكي على سيادة حليفها الفنزويلي، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، ونقله لمحاكمته في الولايات المتحدة بجرائم وهمية، ليست لها أدنى علاقة بالأسباب الحقيقية من وراء هذا العدوان، لذلك لم يكن غريباً أن يتساءل كثيرون: هل ستواصل الصين التزامها بسياسة «الصمت الاستراتيجي»؟
طرح هذه التساؤلات لم يأتِ من فراغ، بل أملته ردود الفعل، التي أقل ما توصف به أنها «بليدة» و«جوفاء» لم تتجاوز الإدانات، ففي حين اكتفت روسيا، بعد إدانة «العدوان المسلح»، بطلب «الكشف عن مكان وجود الرئيس الفنزويلي»، قد يكون هذا الموقف رغم غرابته، قياساً بمصالح روسيا الاستراتيجية في فنزويلا وغيرها من النظم اليسارية اللاتينية، على ضوء أولوية مصالح روسيا الآنية مع الولايات المتحدة في أوكرانيا، وطموح موسكو لمواقف من الرئيس ترامب، تدعم مطالبها لتسوية الأزمة الأوكرانية، لكن ما هو غير مفهوم بدقة هو الموقف الصيني.
فبعد إبداء «الإدانة» و«الصدمة» من هذا العدوان الأمريكي، اكتفى بيان للخارجية الصينية بالتحذير من أن هذا العدوان «يشكل انتهاكاً خطِراً للقانون الدولي وسيادة فنزويلا، ويهدد الأمن والسلام في أمريكا اللاتينية، ومنطقة البحر الكاريبي»، ومؤكداً أن «الصين تعارض هذه الأعمال بشدة».
ردود الفعل الباهتة هذه لا تقارن بالتهديدات المباشرة الواردة على لسان الرئيس الأمريكي لزعماء دول أمريكا اللاتينية وغيرهم، في دليل شديد الوضوح على «تعهده باستخدام القوة لفرض هيمنة الولايات المتحدة على النصف الغربي من العالم، وإلى أي مكان يراه ضرورياً للأمن والمصالح الأمريكية، حيث حذر، هؤلاء الزعماء، من أنهم (سيلقون مصير الرئيس الفنزويلي)، ليس هذا فقط بل ألمح كل من ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو (الكوبي الأصل) والسيناتور الجمهوري المتشدد ليندسي غراهام، بأن العملية التي جرت في فنزويلا (مجرد بداية لمخطط إعادة تشكيل المنطقة)، مهددين حكومتي كوبا وكولومبيا، وربما المكسيك، من أنها (قد تكون ضمن الأهداف التالية)، وقال في طريق عودته من فلوريدا إلى واشنطن: «نحن نستعيد ما سرقوه (في إشارة إلى قرار فنزويلا أيام زعيمها الراحل هوغو شافيز تأميم النفط الفنزويلي وإخراج الشركات النفطية الأمريكية من البلاد)».
هل كسب ترامب معركة (الردع) مع الصين وقبلها مع روسيا؟ السؤال مهم إذا قارنا ردود الفعل الصينية على العدوان الأمريكي على فنزويلا حليفها الاستراتيجي، برد فعل رئيسة الحكومة الدنماركية على تصريحات ترامب بنواياه لضم جزيرة (غرينلاند) التابعة للدنمارك، فقد هددت «ميتي فريدريكس» بـ«إنهاء الناتو وكل شيء»، داعية إلى «أخذ تهديدات ترامب على محمل الجد»، وقالت: «إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دول أخرى في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن كل شيء سينتهي».
فنزويلا بالنسبة للصين لا تقل أهمية عن غرينلاند بالنسبة للدنمارك، فالصين أكبر دائن لفنزويلا (عشرات المليارات)، ونفط فنزويلا أضحى جزءاً من «أمن الطاقة الصيني طويل المدى»، حيث تشتري الصين ما بين 60% إلى 90% من النفط الفنزويلي، وهي كميات هائلة يعتمد عليها بكثافة الاقتصاد الصيني والصناعة الصينية.
هذا النفط بات، كما أكد ترامب، خاضعاً للإدارة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة (هي من سيدير فنزويلا)، وإذا نفذ ترامب تهديداته بتكرار (النموذج الفنزويلي) في دول أخرى صديقة وشريكة تجارية للصين مثل إيران مثلاً، التي تشتري الصين منها ما بين 85% إلى 90% من نفطها بأسعار تشجيعية مغرية، فإن الولايات المتحدة ستمسك بعصب النمو الصيني، بل والمشروع السياسي الصيني كله، وخاصة طموح السعي لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، متحرراً من الهيمنة الأمريكية.
أهمية فنزويلا للصين تفوق هذا كله، من منظور المسعى الصيني لإسقاط «النموذج الأمريكي» عبر إسقاط هيمنة الدولار كنظام للدفع والتسويات العالمية، نظراً لأن فنزويلا هي من أهم من تحدى «قاعدة البترو دولار» (بيع النفط عالمياً بالدولار)، وأعلنت منذ عام 2018 أنها «ستحرر نفسها من الدولار»، وبدأت ببيع النفط باليوان الصيني، واليورو الأوروبي، والروبل الروسي، كما سعت للانضمام إلى (مجموعة بريكس)، التي تقودها الصين وروسيا، وكان يعول عليها كثيراً في تفكيك إمبراطورية الهيمنة الأمريكية.
فنزويلا كانت نموذجاً للخروج من «العباءة الأمريكية» والتحول إلى «العباءة الصينية- الروسية»، والرسالة التي حملتها عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي تقول للصين، بوضوح شديد: «إن كل استثماراتها في فنزويلا أضحت قابلة للمصادرة بالقوة»، وأن ما حدث هو تهديد استراتيجي للصين، خصوصاً في ظل تعمد الرئيس الأمريكي استخدام أسلحة شديدة التطور التكنولوجي، استطاعت اختراق الغرفة المحصنة للرئيس الفنزويلي، وفرض الظلام الكامل على فنزويلا، وتعجيز قدرة رادارات صواريخ (S.300 VM) الروسية عن التعامل مع الطائرات الشبحية المغيرة، في رسالة تؤكد أن أسلحة الردع التقليدي الروسية الصنع، باتت غير قادرة عن توفير الحماية للحلفاء.
مأزق استراتيجي صيني غير مسبوق، يصعب أن تبقى الصين معه صامتة، فكيف يمكن أن ترد لحماية مصالحها ومشروعها العالمي الذي أضحى مهدداً؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى