حسابات أعداء إيران الخاطئة قد تفتح أبواب الجحيم عليهم

كتبت شيدا سبزهفاري, في صحيفة “طهران تايمز” الإيرانية:
يبدو أنّ الرئيس الأميركي ومجرم الحرب الذي يخدمه لم يتعلّما بعد من حربهما الفاشلة على إيران في حزيران/يونيو.
في الـ 13 من حزيران/يونيو، شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرباً شاملة ضد إيران، وبدآ حملتهما العسكرية باغتيال كبار الجنرالات العسكريين الإيرانيين. في تلك الليلة نفسها، ردّت إيران بإطلاق وابل من الصواريخ على الأراضي المحتلة. وخلال الأيام التالية، ازدادت الضربات الإيرانية دقةً وفعّاليةً. وبحلول اليوم الخامس من الصراع، قلبت إيران الطاولة، موجّهةً ضربات قاسية للكيان الإسرائيلي. وتمّ تدمير عدد كبير من المواقع الاستراتيجية وإصابتها بشكل دقيق، بما في ذلك معهد “وايزمان” للعلوم ومقرّ الموساد ووحدة “أمان” ومصفاة النفط في حيفا (وهي إحدى مصفاتي النفط الإسرائيليتين التي تعمل حالياً بثلث طاقتها الإنتاجية فقط)، وعدد كبير من القواعد الجوية. ونظراً لوقوع هذه المراكز العسكرية والأمنية داخل المناطق السكنية، فقد تضرّرت المباني المحيطة بها أيضاً من جرّاء الضربات الصاروخية القوية. وذكرت وسائل الإعلام العبرية أنّ مجموع ما لا يقلّ عن 65 ألف مبنى قد تضرّرت، ولا يزال معظمها من دون ترميم.
انتهت الحرب بعد 12 يوماً، عندما طلبت “إسرائيل” من الولايات المتحدة حثّ إيران على الموافقة على وقف إطلاق النار. وفي اليوم التالي لتوقّف الأعمال العدائية، أذكر أنني كنت أتأمّل في خسائرنا وفي ما كانت الولايات المتحدة و”إسرائيل” تأملان في تحقيقه. لقد فقدنا بعضاً من أفضل جنرالاتنا ونحو 1000 من جنودنا، كما تمّ استهداف الكثير من مواقعنا النووية الحيوية. لكن هل كان هذا حقاً ما يريده الأميركيون والإسرائيليون؟ وهل كان إحداث دمار غير مسبوق في المدن الإسرائيلية – وإظهار أنّ واشنطن ليست جادّة بشأن الدبلوماسية للعالم أجمع – يستحقّ الخسائر التي تكبّدها الجانب الإيراني والتي يمكن تعويضها في نهاية المطاف؟
ومع هدوء العاصفة وبدء التحليل بشأن سبب اختيار ترامب للحرب – ولا سيّما في خضمّ المفاوضات النووية – اتضح أنّ ما كان واضحاً بالنسبة لي وللكثيرين في هذا البلد قد غاب عن ترامب ومجرم الحرب الذي يخدمه، نتنياهو. إذ يبدو أنّ هذين المسؤولين كانا يعتقدان أنّ اغتيال كبار جنرالات إيران وتهديد الشخصيات السياسية والعسكرية الأخرى عبر المكالمات الهاتفية سيدفع القيادة إلى الفرار؛ وبالتالي، استباق أيّ ردّ عسكري. كما استهانوا بجودة الصواريخ الإيرانية؛ والأهمّ من ذلك، أنهم اعتقدوا أنّ الشعب الإيراني سيثق بنتنياهو، الذي وعد في رسالة مصوّرة في بداية الحرب بأنّ الإيرانيين سيصبحون “أحراراً” و”أثرياء” إذا أسقطوا الجمهورية الإسلامية.
واليوم، وبعد مرور 7 أشهر تقريباً، يسود اعتقاد بأنّ ترامب كان ساذجاً لدرجة أنه لم يدرك أنه تعرّض لغسيل دماغ من قبل مستشارين زوّدوه بـ”حقائق” واهية أو أكاذيب متعمّدة. ومع ذلك، يبدو أنّ ترامب لا يزال عاجزاً عن إدراك هذه النصيحة الخاطئة، إذ هدّد مؤخراً بشنّ حرب أخرى ضد إيران، على الرغم من أنّ العواقب هذه المرة ستكون أشد وطأة وفرص النجاح أقل بكثير من ذي قبل.
لقد هدّد ترامب إيران مرتين منذ الأحد الماضي، مصرّحاً بأنه سيهاجمها في حال قتلت قوات الأمن “متظاهرين سلميين”. هؤلاء المتظاهرون، الذين يُطلق عليهم اسم “المتظاهرين السلميين”، ليسوا تجار البازار الذين يتظاهرون سلمياً ضد انهيار التومان الإيراني، نتيجة سنوات من العقوبات المُنهكة في ظلّ حملة “الضغط الأقصى” التي أطلقها ترامب خلال ولايته الأولى. في الواقع، يشير الرئيس الأميركي إلى خلايا صغيرة من الأفراد المسلحين، ولا سيما في المحافظات الحدودية الغربية لإيران حيث يسهل تهريب الأسلحة. فخلال الأيام الـ10 الماضية، قتلت هذه الجماعات عناصر من قوات الأمن وحاولت الاستيلاء على مراكز الشرطة والمواقع العسكرية والمباني البلدية. كما أضرمت النيران في الممتلكات العامّة ووسائل النقل العامّ والسيارات الخاصة والمتاجر، وقتلت أو اعتدت على مدنيين عارضوا أعمالها العنيفة.
هذه المرة، لا يقتصر الأمر على سوء المشورة التي تدفع ترامب نحو مسار عدواني محكوم عليه بالفشل. بل يبدو أنّ الرئيس قد اكتسب ثقة مفرطة بعد اختطافه الأخير للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والذي يُعدّ انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لا يضمن تحقيق أهداف إدارة ترامب المرجوة. وبينما تستعد الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات جديدة محتملة ضد إيران – والتي قد تتراوح بين التخريب والاغتيالات وبين الضربات الصغيرة أو الحرب الشاملة – وضعت وسائل الإعلام الأميركية نفسها مرة جديدة في خدمة الحكومة الأميركية. في السابق، حاولت وسائل الإعلام الغربية تضليل القيادة الإيرانية من خلال نشر تقارير عن “خلافات” مزعومة بين ترامب ونتنياهو. لكن هذه المرة، يبدو أنها تركّز على إضعاف معنويات الجيش الإيراني. فقد زعم تقرير، وهو نسخة مُعاد صياغتها من تقارير صادرة في أعوام 2009 و2020 و2022، أنّ قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد علي خامنئي، قد نسّق مع موسكو لترتيب سفره إلى روسيا في حال “انهيار” الجمهورية الإسلامية. وفي عام 2022، ذكرت وسائل إعلام غربية أنه فرّ إلى فنزويلا. كما زعم تقرير آخر أنّ وزير الخارجية الإيراني صرّح للصحافيين يوم الخميس بأنّ على البلاد الآن التركيز على “الصمود”. في الحقيقة، لم يُعقد أيّ اجتماع من هذا القبيل؛ ويمكن لصحيفة “طهران تايمز” تأكيد ذلك، إذ إنّ فريقها حاضر دائماً في مثل هذه المناقشات.
وتفيد صحيفة “طهران تايمز” بأنّ ترامب يعتقد أنه قد تتاح له فرصة للهجوم بينما إيران “منشغلة”. ومع ذلك، فإنّ أعمال الشغب الحالية أصغر بكثير من تلك التي نجحت قوات الأمن الإيرانية في السيطرة عليها في الماضي. وقد فشلت هذه الاضطرابات في التوسّع لسببين رئيسيين: أولاً، دخل تجار السوق الذين أشعلوا فتيل الاحتجاجات في مفاوضات مع الحكومة، التي وعدت باتخاذ إجراءات جديدة للتخفيف من تردّي الوضع الاقتصادي؛ وثانياً، سارع المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون إلى الكشف عن نيّتهم استغلال هذه الاضطرابات. بل إنّ بعضهم اعترف بوجود “عملاء للموساد” على الأرض أثناء الاحتجاجات.
أما نتنياهو، فعداؤه لإيران يبقى أمراً محتوماً. فمجرم الحرب هذا لا يزال على أهبة الاستعداد لاغتنام أدنى فرصة لإلحاق الضرر بإيران. ومع ذلك، قد يكون من الأجدر به أن يقلق بشأن تزايد عدد الأفراد الذين يوافقون على العمل لصالح أجهزة المخابرات الإيرانية يومياً، كما علمت صحيفة “طهران تايمز” من مصادرها. وبينما يتمّ القبض على عملاء الموساد التابعين له داخل إيران، لن يُسقط الشعب حكومته، مهما تكرّرت مناشداته في مقاطع الفيديو والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وسيثبت العمل العسكري عدم جدواه، كما حدث في حزيران/يونيو الماضي.
وفي وقتٍ لم يعد أحدٌ يهاجر إلى فلسطين المحتلة بحثاً عن “الملاذ الآمن” لليهود، فإنّ عدد الإسرائيليين الذين يستطيع نتنياهو خسارتهم لصالح المخابرات الإيرانية محدود. فقد تلقّى آلافٌ ممن لا يزالون موالين للرؤية الصهيونية رسائل نصية من قراصنة مجهولين هذا الأسبوع. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام العبرية، فقد أُرسلت إليهم معلوماتهم الشخصية والسرية، وقيل لهم إنهم سيدفعون الثمن إن لم يتوقّفوا عن جرائمهم.




