خاصأبرزرأي

“حزب الله” للحكومة: stop تنازلات

حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

بعد خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، الذي أثنى فيه على زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى الجنوب، والمواقف التي صدرت عن مسؤولين في الحزب والتي وُصفت بمغازلة الحكومة، يبدو أن “حزب الله” عاد ليرفع سقف خطابه تجاه الحكومة، واضعًا معادلة واضحة: “stop تنازلات لإسرائيل والخارج”. عبارة مكثفة تختصر رؤية الحزب لمرحلة يعتبرها مفصلية، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع الاستحقاقات الداخلية، من الإصلاحات إلى التوازنات السياسية الحساسة، وصولًا إلى المخاطر العسكرية الناجمة عن التصعيد الإسرائيلي المتواصل.

هذا الموقف لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر، ولا عن التحولات في المنطقة وفي الداخل اللبناني. فالحزب، الذي لطالما قدّم نفسه كحارس لمعادلة الردع في مواجهة إسرائيل، يرى أن أي مقاربة حكومية تُفهم على أنها تراجع في الملفات السيادية تمسّ بجوهر المعادلة التي أرساها منذ سنوات. لذلك يأتي التحذير بمثابة إعادة تثبيت للثوابت قبل الدخول في أي تسويات محتملة، سواء تعلّقت بالحدود أو بملف السلاح أو بالضغوط الاقتصادية ذات البعد السياسي.

في المقابل، تجد الحكومة نفسها في موقع بالغ التعقيد. فهي مطالبة بطمأنة المجتمع الدولي إلى التزامها بحصرية السلاح، ومسار الإصلاح والانفتاح، وبالوقت نفسه تجنّب انفجار داخلي نتيجة اهتزاز التوازنات الدقيقة. بين هذين الحدّين، يتقدم خطاب الحزب ليضع سقفًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه من وجهة نظره، معتبرًا أن التجارب السابقة أثبتت أن أي مرونة غير محسوبة قد تُقرأ ضعفًا وتستجلب مزيدًا من الشروط الدولية.

تحليل هذا الموقف يكشف أنه يتجاوز البعد التكتيكي، فالحزب يدرك أن البيئة الشعبية التي يحتضنها تتأثر بالتحولات الاقتصادية القاسية، لكنه في الوقت ذاته يرى أن تقديم تنازلات تحت الضغط لن يحلّ الأزمة الموجودة، بل سيعمّقها. من هنا، يقدّم خطابه على أنه دفاع مزدوج: دفاع عن السيادة، ودفاع عن موقع لبنان التفاوضي.

غير أن هذا الطرح يفتح الباب أمام أسئلة داخلية مشروعة: هل يمكن الفصل بين مقتضيات الإنقاذ وتجنب الحرب ومتطلبات الصراع الإقليمي؟ وهل تستطيع الحكومة أن تحافظ على تماسكها إذا ارتفع منسوب الاشتباك السياسي؟ الإجابة ليست سهلة، خصوصًا أن لبنان يعيش على إيقاع توازنات هشّة، حيث إن أي خلل في معادلة الداخل ينعكس سريعًا على الشارع.

واللافت أن خطاب “وقف التنازلات” يحمل في طياته رسالة مزدوجة: للخارج بأن لبنان ليس ساحة مستباحة لفرض الشروط، وللداخل بأن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها مهما بلغت الضغوط. لكن في السياسة، تبقى الشعارات محكومة بميزان القوى وبالقدرة على ترجمتها إلى سياسات عملية. فالحكومة مطالبة بإدارة شبكة علاقات دولية معقدة، والحزب معنيّ بالحفاظ على صورته كقوة مانعة لأي انزلاق.

من هنا تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على صياغة موقف موحّد تجاه كل ما يُطرح كشرط لمنع الحرب ومعالجة الشأن الاقتصادي، فإما أن يتحوّل التحذير إلى عنصر تفاوضي يعزز موقع لبنان، أو أن يتكرّس كعنوان صدام داخلي يفاقم الانقسام. وبين هذين الاحتمالين، يبقى السؤال المركزي: هل يستطيع اللبنانيون تحويل خطوطهم الحمراء إلى أوراق قوة، أم ستبقى مادة سجال في ساحة سياسية لا تحتمل مزيدًا من الانقسام؟

بهذا المعنى، لا يُقرأ موقف الحزب كتصعيد لفظي فحسب، بل كمحاولة لرسم معادلة جديدة عنوانها أن زمن التنازلات المجانية قد انتهى، غير أن نجاح هذه المعادلة مرهون بقدرة مختلف القوى على تحويلها من شعار تعبوي إلى استراتيجية وطنية جامعة، توازن بين حماية السيادة وضرورات الإنقاذ، وتمنع في الوقت نفسه انزلاق البلاد إلى مزيد من الاستقطاب في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى