حرب ترامب والرسائل المبهمة من وسائل الإعلام الرئيسية

من المرجَّح أن تعاني الولايات المتحدة من تبعات هذه الحرب داخلياً وخارجياً. إنَّ تحالف ترامب ونتنياهو، وكلاهما يعاني جنون العظمة، أمر مُرعب للغاية.
ميلفين غودمان- counterpunch:
كذبَ جورج دبليو بوش بشأن العراق وأسلحة الدمار الشامل غير الموجودة لتبرير الحرب عام 2003. وكذب دونالد ترامب بزعم “تهديدٍ وشيكٍ” من إيران لتبرير الحرب عليها الآن. وليس في هذا جديد بالنظر إلى التضليل الذي اُستخدم لتبرير الحرب المكسيكية الأميركية والحرب الإسبانية الأميركية في القرن 19، وكذلك حرب فيتنام في القرن الماضي.
لكن من المثير للاهتمام مُقارنة ردود فعل وسائل الإعلام الرئيسية الغامضة والمُتعصّبة التي تبرر الحرب، وتتوقَّع نتائج إيجابيةً. فقد شكَّك البعض في الهجوم على العراق عام 2003 وفي مُبرّراته، بينما هم اليوم، على نحوٍ غريبٍ، لا يُشكّكون في شيءٍ، بل ويُؤيّدون الحرب عموماً. وأسوأ الأمثلة تأتي من صحيفة “نيويورك تايمز”. فالصحفي بريت ستيفنز أبرزُ المدافعين عن “إسرائيل” فيها، يعتقد، على نحو متوقع، أنَّ “ترامب ونتنياهو قدما للعالم معروفاً”، لأنَّه “من المستحيل تصوُّر أي سلامٍ في الشرق الأوسط دون سقوط النظام الإيراني”.
وينسبُ ستيفنز الفضل لترامب في استعادة “الردع في جعل الدبلوماسية أكثر فعّاليةً”. كما ينسبُ إليه الفضل في “خوض الحرب من أجل تعزيز القيم الديمقراطية”، ويُشيد بترامب ونتنياهو لتقديمهما “خدمة شجاعة وتاريخية للعالم الحر”. مع ذلك، موقف ستيفنز ليس مُفاجئاً، وهو يفعل ذلك لأنَّ ترامب لبَّى جميع مطالب “إسرائيل” على مرّ السنين، من ضمنها نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بهضبة الجولان كجزء من “إسرائيل”، وتقديم الدعم من السفارة الأميركية لليهود الأميركيين الذين يحتلُّون أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية على نحو غير قانوني، والتواطؤ في حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، والسماح للمستوطنين الإسرائيليين والقوات الإسرائيلية بالاستيلاء على قُرىً عربيةٍ. والقائمة تطول، وتتصدَّرها الآن حملة عسكرية أميركية إسرائيلية مشتركة ضدَّ إيران، ستزيد الفوضى وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.
والأمر الأكثر إثارةً للدهشة هو أنَّ ستيفن إرلانجر كبير المراسلين الدبلوماسيين في صحيفة “التايمز”، والذي غطَّى أحداثاً من أكثر من 100 دولةٍ، وحائز على جائزتي “بوليتزر”، ينشرُ مثل هذه الأفكار المبهمة، ويزعم أنَّ ردَّ إيران، بمهاجمة دول الخليج، كان “أفضل فرصةٍ لطهران لتقصير أمد الحرب” لأنَّه “قد يدفع العالم العربي للضغط على الولايات المتحدة و”إسرائيل” لإنهاء الحرب. لكن، هل ثمَّة ما يدعو للاعتقاد بأنَّ الدول العربية قادرة على “الضغط” على ترامب ونتنياهو؟
ويزعم إرلانجر أنَّ إيران لن تمتلك بعد الآن “الطاقة أو الموارد اللازمة للتدخُّل في المنطقة”، الأمر الذي “سيفتح آفاقاً جديدةً أمام لبنان والفلسطينيين”. ويُشير إلى إمكانية “تشكيل حكومةٍ جديدَةٍ أكثر اعتدالاً في إسرائيل بعد انتخابات هذا العام”. مع أنَّه من المرجَّح أكثر أن تظهر حكومة ذات توجُّهٍ يميني، ولكن على أي حالٍ، لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأنَّ “إسرائيل” تُفضّل الاستقرار في لبنان، أو في سوريا، أو سيادة الفلسطينيين. فلقد تمحورت سياسات نتنياهو على مدى 3 عقود حول ضمان عدم الاستقرار في العالم العربي لتبرير عجزه عن دفع عجلة السلام أو التفاوض على حلّ الدولتين مع الفلسطينيين.
وعلى النحو ذاته، يتبنَّى جورج ويل في مقالٍ له في صحيفة “واشنطن بوست”، فكرة أنَّ الحملة الأميركية الإسرائيلية “ضرورة لإعادة ترسيخ شرط أساسي لعالمٍ أكثر سلاماً، عبر مصداقية الردع الأميركي”. بل إنَّه ينسبُ للولايات المتحدة “الاستعداد للمساعدة، عن بعدٍ، في إعادة بناء إيران سياسياً”. بتعبير آخر فإنَّ الحرب غير الضرورية وغير القانونية ضدَّ إيران هي شرط أساسي للسلام في الشرق الأوسط والخليج، فضلاً عن الاستقرار في إيران.
بالطبع، الرسالة الأكثر غموضاً تأتي من ترامب نفسه. فقد “أمر” الحرس الثوري بـ”إلقاء أسلحتهم”، وقال إنَّ “الشعب الإيراني الفخور يجب أن يستولي على حكومتكم عندما ننتهي، وربما تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيالٍ قادمةٍ”.
من المرجَّح أن تعاني الولايات المتحدة من تبعات هذه الحرب داخلياً وخارجياً. إنَّ تحالف ترامب ونتنياهو، وكلاهما يعاني جنون العظمة، أمر مُرعب للغاية. وتتضمن النتائج الأكثر ترجيحاً تشكيل حكوماتٍ أكثر تشدُّداً في إيران و”إسرائيل”، فضلاً عن استمرار الفوضى السياسية في الولايات المتحدة. أما بالنسبة لإيران، فلا توجد معارضة منظمة لديها القدرة على انتزاع السلطة من الحرس الثوري.




