حرب إيران الكاشفة: اختبار الدور الأوروبي

ليلى نقولا – الميادين:
القارة التي عانت خلال السنوات الأخيرة من تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا تدرك أن الاضطراب في منطقة الخليج واغلاق مضيق هرمز، سيؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق النفط والغاز.
في موقف لافت أقرب الى الموقف الأميركي من التطورات، وبالرغم من التباين الأوروبي حول الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين “إن شعب إيران يستحق الحرية والكرامة والحق في تقرير مصيره حتى وإن كنا نعلم أن ذلك سيكون محفوفاً بالمخاطر وعدم الاستقرار”.
وأكدت أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون مستعداً لإظهار قوته بشكل أكثر حزما،ً لأنه لم يعد بإمكانه الاعتماد على نظام “قائم على القواعد” لمواجهة التهديدات.
واقعياً، تشكل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط اختباراً جديداً لدور أوروبا في النظام الدولي المعاصر، إذ تجد القارة نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين اعتبارات الأمن الدولي والمصالح الاقتصادية والالتزامات السياسية مع الحلفاء، والقواعد التي تمّ ارساؤها بعد الحرب العالمية الثانية والتي تعتبر فون دير لاين أنها لم تعد قادرة على مواجهة التهديدات.
تاريخياً، سعت الدول الأوروبية إلى لعب دور الوسيط في أزمات الشرق الأوسط، مستندة إلى تقاليد دبلوماسية تفضل الحلول التفاوضية على الخيارات العسكرية. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في الملف النووي الإيراني، حيث كانت أوروبا طرفاً رئيسياً في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. إلا أن التطورات الراهنة تكشف حدود هذا الدور، إذ لم تعد أدوات الدبلوماسية التقليدية كافية للتعامل مع أزمات تتشابك فيها حسابات القوى الكبرى وفي ظل راغبة إسرائيلية جامحة بتغيير موازين القوى في الإقليم للهيمنة عليه.
وحالياً، وكما في الازمات الممتدة منذ ما بعد حرب أوكرانيا، ينقسم الاتحاد الأوروبي على ذاته، حيث تتباين مواقف الدول الأطراف من الصراع، فنجد مواقف ألمانيا ودول أوروبا الشرقية المتماهية كلياً مع واشنطن، مقابل الرفض التام من قبل اسبانيا وغيرها من الدول التي صرّحت بأن الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران هي خارج إطار القانون الدولي، وبينهما مواقف فرنسا وبريطانيا المتذبذب الراغب بالمشاركة في الحرب وخائف من تداعياتها.
كما يبرز البعد القانوني كأحد العناصر التي تزيد من تعقيد الموقف الأوروبي. فالقانون الدولي يفرض قيوداً واضحة على استخدام القوة العسكرية بين الدول، ويقصرها على حالتي الدفاع عن النفس أو التفويض الصادر عن مجلس الأمن الدولي. غير أن العدوان على ايران خارج أي ذريعة دفاعية أو قانونية يضع أوروبا أمام معضلة قانونية وأخلاقية تتعلق بمدى شرعية العمليات العسكرية الجارية وإمكانية دعمها أو المشاركة فيها.
وبالإضافة الى ما سبق، تحتل المخاوف الاقتصادية موقعاً مركزياً في حسابات أوروبا. فالقارة التي عانت خلال السنوات الأخيرة من تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا تدرك أن الاضطراب في منطقة الخليج واغلاق مضيق هرمز، سيؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق النفط والغاز وهو ما بدأ العالم يتلمسه من خلال الارتفاع السريع في أسعار النفط.
كما أن موقع إيران في قلب واحدة من أهم المناطق الحيوية في العالم يمنح أي تصعيد داخلها أبعاداً تتجاوز الإطار الإقليمي. فتهديد الملاحة في الممرات البحرية الحيوية قد ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، ما يزيد من احتمالات ارتفاع الأسعار ويعمق الضغوط الاقتصادية على الدول الأوروبية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن أوروبا تواجه مأزقاً إستراتيجياً متعدد الأبعاد. فمن جهة، تسعى إلى الحفاظ على صورتها كقوة دبلوماسية تدعم الاستقرار الدولي وتسعى إلى تسوية النزاعات عبر الحوار. ومن جهة أخرى، تريد فرض نفسها ضمن حسابات القوة التي تفرضها التحولات في النظام الدولي، ورغبتها في الانضواء ضمن الحلف الأميركي- الإسرائيلي الذي يسعى الى الهيمنة المطلقة في الشرق الأوسط.
ويعكس هذا المأزق تحدياً أعمق يتعلق بطبيعة الدور الأوروبي في عالم يتجه نحو مزيد من التنافس بين القوى الكبرى. فإذا كانت أوروبا قد تمكنت خلال العقود الماضية من ترسيخ نموذج يعتمد على القوة الناعمة والدبلوماسية متعددة الأطراف، فإن الأزمات الأمنية المتصاعدة تطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذا النموذج على الاستمرار في بيئة دولية تتزايد فيها أهمية القوة العسكرية، بينما ما زال الأوروبيون يعتمدون على المظلة الأمنية الأميركية التي فشلت في الدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.




