حراك اختيار الرئاسات العراقية الثلاث

كتب عادل الجبوري في صحيفة العرب.
تبدو الأمور أكثر تعقيدًا داخل المكون السني المطلوب من قواه السياسية الاتفاق على مرشح لرئاسة البرلمان يحظى بقبول المكونين الشيعي والكردي لأن الخلافات والتقاطعات كبيرة وكثيرة جدًا.
تسابق القوى والكيانات السياسية العراقية المختلفة الزمن لحسم ملف اختيار الرئاسات الثلاث ـ الجمهورية والوزراء والبرلمان ـ وتجنب الدخول في متاهات التعطيل والتأجيل والتسويف لعدة شهور، كما حصل في أغلب المرات السابقة. لا شك أن نتائج ومخرجات الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي جرت في الحادي عشر من تشرين الثاني -نوفمبر 2025، تمثل المسار الرئيسي لتحديد الخيارات. بيد أنه في ذات الوقت، لا يمكن لأي طرف كان، مهما كان حجمه البرلماني وثقله السياسي، أن يتجاهل الواقع السياسي القائم، ويقفز على مبدأ التوافق، الذي لا يفرض تفاهم القوى الكبيرة مع بعضها البعض فقط، وإنما تفاهم كل هذه القوى مع القوى الصغيرة، لأن معادلات اختيار الرئاسات وتشكيل الحكومة هي معادلات حساسة ودقيقة، لا تحتمل بأي شكل من الأشكال إهمال أي طرف، حتى وإن كان مقاطعًا للانتخابات والعملية السياسية، مثل التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري) بزعامة السيد مقتدى الصدر.
تذهب العديد من التصورات والتحليلات إلى أن حسم الرئاسات الثلاث من الصعب أن يتم إلا عبر صفقة واحدة وليس بعيدًا عن التوافق الإجمالي على الحقائب الوزارية لاسيما السيادية منها
بما أن الإطار التنسيقي يمثل الكتلة النيابية الأكبر في مجلس النواب الجديد، وبما أن رئاسة الوزراء ـ بحسب العرف السياسي المعمول به منذ عام 2003 ـ هي من حصة المكون الاجتماعي الأكبر، فإنه من الطبيعي أن تدخل القوى والكيانات المؤلفة له في مسار البحث عن المرشح الأفضل لتولي المنصب. إذ تم تشكيل لجنتين قياديتين: الأولى مهمتها مقابلة المرشحين ودراسة سيرهم، والثانية تتولى التواصل مع مختلف القوى السياسية في الفضاء الوطني لحسم المواقع العليا في أسرع وقت. فضلاً عن ذلك، وضع الإطار جملة معايير ينبغي توفرها فيمن سيتم ترشيحه وتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، من بينها الكفاءة، النزاهة، الإخلاص، العلاقات الوطنية والإقليمية والدولية الإيجابية، وامتلاك الرؤية الواضحة والعملية لإدارة الدولة، وتحديد الأولويات وفق متطلبات الواقع. إلى جانب ذلك، فإن هناك من يرى أن رأي المرجعية الدينية في النجف لا بد أن يحظى باهتمام قوى الإطار، كذلك طبيعة الموازنة بين المواقف والتوجهات الإيرانية والأميركية، ناهيك عن الأخذ بنظر الاعتبار مجمل الظروف والأوضاع الإقليمية في مختلف الساحات التي تؤثر على العراق وتتأثر بظروفه وأوضاعه أيضًا.
هناك عدة أسماء كبيرة ومهمة ومؤثرة تتنافس لتولي المنصب، مثل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وأسماء أخرى تصدت لمواقع تنفيذية متقدمة وتركت بصمات إيجابية، مثل وزير الشباب والرياضة الأسبق عبد الحسين عبطان، ومحافظ البصرة الحالي أسعد العيداني، ورئيس هيئة المساءلة والعدالة الحالي باسم البدري. إلى جانب شخصيات أمنية، كمستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، ووزير الداخلية عبد الأمير الشمري، ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري. علمًا أن مصادر مقربة من الإطار تؤكد أن بعض الأسماء تم طرحها وتسويقها وتداولها من قبل وسائل الإعلام، مما يعني أن ما يُطرح علنًا ليس بالضرورة أن يكون متطابقًا مع ما يُطرح خلف الكواليس. هذا في الوقت الذي ترجح فيه مجمل القراءات الذهاب إلى مرشح تسوية تتوافق عليه قوى الإطار ولا تعترض عليه قوى المكونات الأخرى، فيما إذا لم تُحسم الأمور لصالح السوداني أو المالكي.
وتبدو الأمور أكثر تعقيدًا داخل المكون السني، المطلوب من قواه السياسية الاتفاق على مرشح لرئاسة البرلمان يحظى بقبول المكونين الشيعي والكردي، لأن الخلافات والتقاطعات كبيرة وكثيرة جدًا. وسواء كانت خطوة تشكيل المجلس السياسي الوطني من قبل الكيانات السياسية السنية، على غرار الإطار التنسيقي الشيعي، قد جاءت بمبادرة داخلية أو بدفع من أطراف خارجية إقليمية، فإنها قوبلت بترحيب وارتياح كبيرين من قبل مختلف القوى والأطراف الداخلية والخارجية، باعتبار أنها يمكن أن تختصر الطريق وتسرّع عملية حسم اسم رئيس البرلمان الجديد. بيد أن هناك من يعتقد أن تشكيل مثل هذا المجلس بصورة سريعة لا يمكن أن يكون حلًا سحريًا أو بمثابة “عصا موسى” لتذويب كمّ كبير من المشاكل والأزمات المتراكمة بين الفرقاء السنة، في ظل حالة استقطاب حادة طرفاها رئيس البرلمان السابق وزعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي، المتصدر بحصول حزبه على سبعة وعشرين مقعدًا، وزعيم تحالف السيادة المتراجع، بعد أن حصل تحالفه على تسعة مقاعد فقط.
يحتاج الفرقاء الأكراد إلى وساطات وتدخلات من بعض شركائهم الشيعة والسنة وأصدقائهم الخارجيين لأجل حلحلة الأزمة الخانقة بينهم، ولعله من المستبعد حصول ذلك خلال وقت قصير
وفي الوقت الذي يسعى الحلبوسي جاهدًا للعودة إلى كرسي الرئاسة، فإن هناك شخصيات وقوى سياسية سنية قررت قطع الطريق عليه تمامًا، مستفيدة من مواقف شيعية وكردية رافضة له، وسط احتدام التنافس الشديد على المنصب. ومثلما أن كواليس الإطار التنسيقي تشهد سجالات ونقاشات محتدمة حول الأسماء المطروحة لرئاسة الوزراء، فإن كواليس المجلس السياسي الوطني السني تشهد هي الأخرى ذات السجالات والنقاشات حول رئاسة البرلمان، ومعها حصص المكون السني من الوزارات.
الانسداد الكردي قبل جدل الرئاسة وإذا كانت قوى المكونين الشيعي والسني قد دخلت في مرحلة البحث والتفاوض المباشر لحسم استحقاقاتها الرئاسية، فإن المكون الكردي، متمثلًا بالدرجة الأساس بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، الحاصل على ثلاثين مقعدًا، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافيل الطالباني، الحاصل على ثمانية عشر مقعدًا، ما زال عاجزًا عن الالتئام واللقاء للانطلاق في الحوارات المباشرة لاختيار مرشح رئاسة الجمهورية. ويبدو أن الخلافات الشديدة بشأن تشكيل حكومة الإقليم، والفشل في ذلك، رغم مرور أكثر من عام على إجراء الانتخابات البرلمانية للإقليم، قد ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد الكردي، وأحدثت قطيعة شبه تامة بين الحزبين الرئيسيين. وربما يحتاج الفرقاء الأكراد إلى وساطات وتدخلات من بعض شركائهم الشيعة والسنة وأصدقائهم الخارجيين لأجل حلحلة الأزمة الخانقة بينهم، ولعله من المستبعد حصول ذلك خلال وقت قصير.
واللافت في مجمل المشهد السياسي العام أن كل مكون ينتظر من المكون الآخر أن يحسم اختياره، حتى يحدد هو مساره للاختيار. هذا في الوقت الذي تذهب فيه العديد من التصورات والتحليلات إلى أن حسم الرئاسات الثلاث من الصعب أن يتم إلا عبر صفقة واحدة، وليس بعيدًا عن التوافق الإجمالي على الحقائب الوزارية، لاسيما السيادية منها. ولكن هذا التوافق لا بد أن تسبقه توافقات بين أطراف كل مكون، وبدون ذلك لن تصل الأمور إلى نهاياتها المطلوبة والمرجوة.




