رأي

جنون الذهب

كتب أحمد مصطفى, في الخليج:

تواصل أسعار الذهب الارتفاع منذ العام الماضي بوتيرة غير مسبوقة تاريخياً في مسار المعدن الثمين. فقد ارتفعت أسعاره العام الماضي بنحو الثلث في المتوسط ليتجاوز سعر الأوقية أرقاماً قياسية لأول مرة، ثم ارتفعت بأكثر من النصف في أقل من عام هذه السنة التي لم تنته بعد ويتوقع كثيرون في السوق أن يصل سعر أوقية المعدن الأصفر إلى حاجز خمسة آلاف دولار وربما يتجاوزه.
معنى ذلك أن الطلب على الذهب يزيد بشكل كبير في ظل عدم نمو كبير في المعروض منه، ذلك على الرغم من استثمار شركات التعدين في مناجم الذهب حول العالم، وسعي تلك الشركات لزيادة الإنتاج. قد يكون مفهوماً أن سعة طاقة الإنتاج الإضافية محدودة، ذلك لأن استخلاص المعدن من المناجم ثم تنقيته وتشغيله حتى يصبح ذلك الذهب الأصفر البراق الذي نشتريه يأخذ وقتاً طويلاً. وبالتالي فزيادة الاستثمارات في التعدين والتشغيل تحتاج سنوات كي يزيد الإنتاج بما يلبي القدر الأكبر من حاجة الطلب.
لكن ما يثير الاهتمام أكثر هو هذه الزيادة الكبيرة والمستمرة في الطلب على الذهب، ليس بشكله المعدني المعروف فحسب بل وعلى صناديق تداول في البورصة مدعومة بالذهب (Gold-backed ETFs). صحيح أن هناك عوامل معروفة يتحدث عنها الاقتصاديون والمحللون وراء ارتفاع أسعار الذهب، لكن هذا الجنون في الأسعار يحمل في طياته ما يتجاوز تلك العوامل.
بدأ الإقبال على شراء الذهب بكثافة، خاصة من قبل البنوك المركزية قبل أكثر من عامين نتيجة توسع الولايات المتحدة في فرض العقوبات على الآخرين، وتحديداً بعد تجميد أمريكا والغرب لأصولٍ روسية خارجية مقيمة بالدولار بنحو نصف تريليون، عندئذ بدأت أغلب دول العالم تخفض احتياطياتها الدولارية وتستعيض عنها بشراء الذهب كمخزن أكثر أمناً للثروة من الدولار الأمريكي، ثم جاءت إدارة الرئيس دونالد ترامب لتعمل على خفض سعر صرف الدولار ما زاد من شراء البنوك المركزية حول العالم للذهب والتخلص من الاحتياطي الدولاري.
مع إن البنوك المركزية ضاعفت من معدلات شرائها للمعدن الثمين، إلا أنها ليست المشتري الوحيد الذي يرفع الطلب على الذهب، فهناك أيضاً المستثمرون، مؤسسات وأفراد، الذين يعدلون الأصول في ثرواتهم بشراء الذهب أو أسهم صناديق التداول المدعومة بالذهب بدلاً من الأصول الدولارية من أسهم وغيرها.
في ظل تراجع الثقة في الدولار وعدم اليقين السائد عالمياً واحتمالات متصاعدة لانفجار فقاعة أسواق الأسهم أو أزمة ديون عالمية توشك على الانفجار في أي لحظة، يلجأ المستثمرون وحتى الأسر العادية للاحتفاظ بقدر من الثروة في أصول أكثر أمناً تحوطاً لاحتمالات انهيار أسعار الأصول الأخرى.
كان هناك تصور سابق بأن العملات المشفرة مثل بيتكوين وغيرها يمكن أن تلعب دور الملاذ الآمن للتحوط من تقلبات السوق، إلا أن الطبيعة المتذبذبة بشدة لقيمة المشفرات، والأصول الرقمية عامة، لم تدعم ذلك التوجه.
يرى كثيرون، بحكم الخبرة التاريخية، في المعدن الثمين الأصفر ثباتاً لقيمة الثروة ورمزاً للقوة، لكن ذلك ليس صحيحاً دائماً، فتركيز تراكم الثروة في أصل واحد مهما كان، يمثل مخاطر كثيرة، كما أن تحويل الاستثمارات إلى ذهب له آثار جانبية سلبية، فاللون الأصفر أيضاً يمكن أن يكون دلالة على المرض والعلة.
تشير حالة الأسواق الراهنة إلى أن المرونة الكبيرة في الاقتصاد العالمي يمكن أن تجنبها انهياراً وتنتهي دورة الارتفاع في مؤشراتها بتصحيح حتى لو كان قوياً، لكنه لن يصل إلى حد الانهيار، إنما في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل «حبس» مئات المليارات وربما التريليونات من الأموال في مخزون من الذهب أو أسهم صناديق التداول المرتبطة بالذهب.
والمقصود هنا هو أن تلك الثروات تنسحب عملياً من الأسواق والاقتصاد بدلاً من تشجيع النمو عبر الاستثمار في أسهم الشركات في القطاعات المختلفة، خاصة وأن هناك «تركيزاً» آخر لا يقل خطورة عن تركيز الثروة في الذهب، فمن بين الشركات المسجلة على مؤشرات السهم في الأسواق الكبرى تتركز الاستثمارات في الآونة الأخيرة على شركات التكنولوجيا، بل وأصبحت تتركز أكثر في قطاع واحد منها هو شركات الذكاء الاصطناعي ويحمل ذلك مخاطر قد لا تكون واضحة تماماً لأنها تقترب من المضاربات التي تراهن على تبني العالم كله للذكاء الاصطناعي في كل نشاطاته بما يحقق عائدات وأرباحاً كبيرة للمستثمرين الذي يضخون مئات المليارات في شركاته الناشئة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى