رأي

جنوب السودان وملامح العودة إلى الحرب الأهلية

كتب ثابت العمور, في الميادين:

في مشهد مُحمّل بالتناقضات، بات مصير 12 مليون شخص، هم سكان دولة جنوب السودان، مُعلقاً على خلافات سياسية وشخصية بين الرئيس ونائبه.

تلوح في أفق دولة جنوب السودان ملامح حرب أهلية جديدة تحملها الرياح الآتية من هناك، ويبدو أمر الحرب الأهلية كما لو كان مرضاً مزمناً لدولة عالقة منذ انفصالها عن السودان في عام 2011؛ وتدور في حلقة مفرغة من العنف السياسي والأزمات الاقتصادية والأمنية هشاشة المؤسسات؛ وقد كان يُفترض بها أن تتعافى عقب توقيع اتفاق السلام عام 2018 وتتجاوز معضلة البقاء في دوامة الصراع وشبح الحرب الأهلية، ولكن الاتفاق لم يفلح في إنهاء الصراع، ويقف جنوب السودان اليوم على حافة العودة إلى الحرب الأهلية، والسؤال لماذا فشل اتفاق السلام بين فرقاء جنوب السودان في إنهاء الصراع والحؤول دون عودة الحرب الأهلية؟

تزايدت منذ كانون الأول/ ديسمبر 2025 الاشتباكات بين قوات الدفاع التابعة للرئيس سلفا كير وحركة التحرير الموالية لنائبه رياك مشار، وقد تسببت وفقاً للأمم المتحدة في نزوح ما يزيد على 180 ألف شخص، وفي الـ25 من كانون الثاني/ يناير 2026 تجدد القتال في دولة جنوب السودان، ودارت المعارك في ولاية جونقلي -المتاخمة لإثيوبيا- بين الجيش الخاضع لقيادة الرئيس سلفا كير، والقوات الموالية لنائبه السابق رياك مشار.

في مشهد مُحمّل بالتناقضات، بات مصير 12 مليون شخص، هم سكان دولة جنوب السودان، مُعلقاً على خلافات سياسية وشخصية بين الرئيس ونائبه؛ وبدأ النفخ في نار الحرب الأهلية منذ إقدام الرئيس كير على اعتقال نائبه مشار ووضعه قيد الإقامة الجبرية؛ ومن مفارقات التوافق السياسي الاضطراري وما يترتب عليه من إدخال البلاد في دوامة الحرب الأهلية، أن العداء بين الرجلين كير ومشار مستحكم ومحكوم بخلافات قبلية، كان يفترض أن تفضي إلى توازنات، لكن رياح التوافق لم تأتِ بما تشتهي سفن المصالح، فالعداء بين سلفا كير الذي ينتمي إلى قبيلة الدينكا، ورياك مشار الذي ينتمي إلى قبيلة النوير، وهما أكبر مجموعتين إثنيتين في جنوب السودان، يمثل رمزاً للانقسامات العرقية والسياسية في الدولة الحديثة.

وقد ظهر التوتر بين سلفا كير ورياك مشار بعد وفاة جون قرنق عام 2005 في حادثة تحطم طائرة، إذ تولى سلفا كير منصب رئيس الحركة الشعبية، وبدأ يواجه تحديات في إدارتها والتخطيط للحكومة المستقبلية، ما دفع مشار إلى أن يصبح أكثر معارضة. وتعود أسباب تصاعد التوتر بينهما إلى الخلافات حول السلطة، فكلا الزعيمين كان يسعى لتحقيق مصالح شخصية من خلال السلطة والنفوذ، ما جعل كل طرف يسعى لتوسيع قاعدته السياسية والعسكرية على حساب الآخر.

على إثر تلك الخلافات شهدت دولة جنوب السودان حرباً أهلية امتدت خمس سنوات، من 2013 إلى 2018، بين قوات الرئيس سلفا كير والقوات الموالية لنائبه رياك مشار، وأودت بحياة نحو 400 ألف شخص، وانتهت باتفاق تقاسم السلطة الذي أُبرم عام 2018، لكن بنوده ظلت حبراً على ورق.

الاتفاق تداعى في الأسابيع الأخيرة مع اشتعال التوترات والاشتباكات بين كلا الجانبين في ولاية أعالي النيل الشمالية – الشرقية؛ الأمر الذي يعكس مزيداً من القلق حول مدى قدرة الأطراف السياسية في جنوب السودان على تفادي الانزلاق مجدداً في أتون الحرب الأهلية، ومدى فعالية الضغوط الدولية في إعادة ضبط مسار السلام المتعثر.

يبدو ذهاب دولة جنوب السودان إلى الحرب الأهلية قد بات اضطرارياً وحتمياً، ولا سيما عقب تصريحات نائب رئيس حزب المعارضة، أويت ناثانيال بيرينو، الذي قال في بيان له، إن توقيف مشار يعني أن اتفاق السلام المبرم عام 2018، الذي أنهى حرباً أهلية بين المعسكرين بات “لاغياً”. مُعتبراً أن اعتقال مشار يعكس غياب الإرادة السياسية لتحقيق السلام والاستقرار.

وهو التقدير ذاته الذي ذهب إليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في قوله: “على قادة جنوب السودان… الإصغاء إلى رسالة واضحة وموحدة ومدوية: ألقوا أسلحتكم، ضعوا مواطني جنوب السودان فوق أي اعتبار آخر”، مشيراً إلى أن البلد “قد يكون سقط في النسيان، لكن لا يمكننا أن نتركه يقع في الهاوية”. مُذكراً أن شعب أحدث دولة عهداً في العالم “كان له آمال وتطلعات كبيرة جداً، لكن للأسف (لم يحظ) بالقادة الذين يستحقهم”. وفي السياق حذر قائد قوات بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب السودان (أونميس) من أن الوضع في البلاد الآن أقرب إلى حرب أهلية مما كان عليه قبل 5 أو 6 سنوات، موضحاً أن اتفاق السلام هناك يواجه تحديات عدة.

كان يُفترض أن تستعد جنوب السودان للذهاب إلى الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في حزيران/ يونيو 2026 لإنهاء الفترة الانتقالية التي نص عليها اتفاق السلام بين الفرقاء عام 2018؛ بدلاً من الاشتباكات والتوتر المُفضي إلى شبح عودة للحرب الأهلية، ولكنه العجز عن تحول أطراف الصراع من العقلية القبلية إلى الالتفات للمسائل التنموية وترك الصراع خلف ظهورهم، والعجز عن التحول من القيادة العسكرية والقتال إلى مواقع رجال الدولة للبناء والسلام والاستقرار. لقد عجز الفرقاء في جنوب السودان عن تقديم نموذج للوحدة والشفافية والمساوة والديمقراطية، وغرقوا وأغرقوا البلاد الناشئة للتو في دوامة الصراعات والحرب الأهلية. حتى عندما اضطروا للذهاب إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب الأهلية، لم يُحافظوا عليه، وبالتالي لم يصمد الاتفاق، وبات المشهد قاب قوسين أو أدنى من الحرب الأهلية، لا لشيء، إلا للخلافات والحسابات والمصالح الشخصية بين الرئيس ونائبه.

لا منتصر في دولة جنوب السودان، سواء تقدمت قوات المعارضة وسيطرت على مناطق نفوذ جديدة أو تقدم الجيش ودحر تقدم المعارضة، لكنها الحرب التي تضع 12 مليون مواطن في جنوب السودان تحت رهانات الصراعات الشخصية حتى تتدحرج وتصبح حرباً أهلية تأتي على الأخضر واليابس. لأن اتفاق السلام لم يُبنَ على مصالحة وطنية شاملة، بل على تسوية نخبوية بين الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار، هدفها الأساسي تقاسم السلطة، من دون معالجة جذور الصراع.

فشل اتفاق السلام في جنوب السودان لأنه لم يعالج أسباب الصراع، لم يُنهِ ظاهرة المليشيات والجماعات المسلحة والمتمردة، وبقيت جنوب السودان عالقة بين معسكرين مختلفين بعقلية القبيلة لا بعقلية الدولة، حكومة يهيمن عليها الدينكا ومعارضة يهيمن عليها النوير، وحكومة ضعيفة ورثت تبعات الحرب الأهلية وتداعياتها، ذات موارد شحيحة، مع أن دولة جنوب السودان لديها موارد نفطية، وسياسات تقوم على المحسوبية مع تدخلات خارجية وإقليمية، وهو ما يعني بأن ملامح الحرب الأهلية في دولة جنوب السودان كانت وما زالت حاضرة وغير بعيدة.

إن جذور الأزمة في جنوب السودان لا تتعلق فقط بقضايا الحكم، ولكن في عدم القدرة على نقل هيكل الحكم من حركة تحرير إلى هيكل الدولة التي تقبل بالتعددية وتداول السلطة، ولكن بات ارتهان المشهد كله واختصاره فيما يراه ويُقره الحزب الواحد الحاكم، وهو ما يعكس هشاشة الرؤية السياسية الحاكمة لدولة جنوب السودان. وبدلاً من معالجة ذلك بإصلاحات هيكلية، سعت القيادة إلى تعزيز قبضتها عبر تركيز السلطة السياسية والعسكرية، ما أدى إلى نتائج كارثية من بينها ملامح العودة إلى الحرب الأهلية.

إن تأجيل الصراع السياسي من دون إنهائه، واستمرار التوتر بين أطراف السلطة وانعدام الثقة بين الرئيس كير ونائبه مشار، واستمرار تأجيل الانتخابات وتوظيف الولاءات القبلية وتآكل الشرعية وتأجيل دمج الجماعات المسلحة، كلها أسباب تضع المشهد في دولة جنوب السودان على حافة العودة إلى الحرب الأهلية.

ختاماً، إن عودة الحرب الأهلية إلى دولة جنوب السودان لا يمكن اعتبارها شأناً داخلياً، معزولة تداعياته وتبعاته عن دول الجوار، إذ إن للموقع الجغرافي مفاعليه وتأثيراته وتشابكاته، وبالتالي، فإن عودة الحرب الأهلية تعني عدم استقرار إقليمي واسع، يبدأ من جنوب السودان ويمتد إلى القرن الأفريقي. والمطلوب أن يتداعى الجميع للحؤول دون تدحرج المشهد في جنوب السودان إلى الحرب الأهلية، لأن ذلك ليس خياراً بل ضرورة استراتيجية، إقليمياً ودولياً، وأي عودة إلى الحرب الأهلية ستُفضي إلى فوضى إقليمية قد يصعب احتواؤها. وعلى الفرقاء في جنوب السودان الاتجاه نحو الإصلاح الجاد والوحدة الحقيقية، مسلحين بإرادة سياسية تضع مصالح البلاد والعباد فوق أي اعتبار شخصي ومصلحي، لأن البديل هو العودة إلى الحرب الأهلية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى