ثمن السلام في أوكرانيا

التسليم بواقع الحدود الجديدة قد يخدم مصالح كييف
بيتر سليزكين, جوشوا شيفرينسون – اندبندنت عربية:
يرى الكاتبان أن الإصرار على عدم الاعتراف بالسيطرة الروسية لا يخدم كييف، بل يطيل أمد النزاع. ترسيم حدود جديدة تعكس خطوط السيطرة قد يعزز أمن أوكرانيا، ويسهل إعادة الإعمار، ويفتح باب التكامل مع أوروبا، فيما لا يشكل الاعتراف القانوني استسلاماً بقدر ما يمثل تسوية واقعية تمهد لسلام أكثر استقراراً.
في الأعوام الأربعة منذ إطلاق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “عمليته العسكرية الخاصة”، ثابرت أوكرانيا وداعموها الأجانب على تأطير أهدافهم بلغة سلامة وسيادة الأراضي الوطنية. وقد دعا المسؤولون الغربيون صراحة خلال عام الحرب الأول إلى استعادة السيادة الأوكرانية على جميع أراضي هذا البلد المعترف بها دولياً، بما في ذلك القرم والجزء من منطقة دونباس الذي سيطرت عليه روسيا منذ عام 2014. لكن نظرية النصر هذه، التي كانت غير واقعية منذ البداية، انهارت إثر فشل الهجوم الأوكراني المضاد عام 2023. ومنذ ذلك الحين يعترف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومعظم القادة الغربيين على مضض بأن روسيا ستحتفظ بسيطرة فعلية على جزء كبير من الأراضي التي احتلتها. لكنهم مع ذلك ما زالوا يرفضون على نحو قاطع الاعتراف القانوني أو الرسمي بحدود أوكرانيا المتبدلة.
ويستند رفض الاعتراف الرسمي بالسيطرة الروسية على تلك الأراضي إلى مجموعة من المزاعم تتعلق بطبيعة العلاقات الدولية ومصير الأمة الأوكرانية. وفي هذا السياق، يرى معارضو الاعتراف القانوني أن سيادة أراضي الدول وسلامتها تمثلان ركيزة من ركائز نظام ما بعد الحرب (العالمية الثانية)، وأنه من غير الممكن التفريط بهذا المبدأ من دون تعريض استقرار النظام الدولي برمته للخطر. فالتنازل عن الأراضي، وفق هذا التفكير، سيشجع المعتدين (أكانوا روسيا أو غيرها) للمضي باعتداءاتهم. كذلك يرى مؤيدو هذا المبدأ أن التنازل القانوني عن الأراضي بالنسبة إلى أوكرانيا يعادل استسلاماً، فيما سياسة عدم الاعتراف في المقابل تسهم بإبقاء إمكان استعادة أوكرانيا لأراضيها المحتلة، قائماً. ولكل واحدة من الحجج المذكورة عيوبها الخاصة طبعاً. وبصورة أعم، فإن الرفض التلقائي للاعتراف القانوني يحجب الطرق التي قد يسهم فيها القبول الرسمي بمكاسب روسيا على الأرض في تعزيز أمن أوكرانيا، وتسهيل إعادة الإعمار بعد الحرب، والمساهمة في استقرار النظام الدولي.
إن من مصلحة أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة أن يجري رسم حدود دولية جديدة، كجزء من عملية السلام، تتطابق إلى حد ما مع خطوط السيطرة الأحدث على أرض الواقع. ترتيب كهذا في الحقيقة من شأنه أن يفرض على كل من أوكرانيا وروسيا تعديل مزاعمهما الدستورية كي تتوافق مع الأراضي التي يسيطر عليها كل منهما فعلياً. ففي حين ستتنازل أوكرانيا عن أراض ضمن حدودها المعترف بها دولياً عام 1991، سيتعين على روسيا القبول بحدود قانونية تشمل مساحة أراض تقل عن تلك التي ضمتها من طرف واحد (على رغم عدم سيطرتها الكاملة عليها). كذلك بوسع اتفاق كهذا أو ترتيب أن يسمح بإجراء تعديلات محدودة على خط السيطرة متفق عليها من الجانبين، وأن يمنحهما أيضاً فترة زمنية تسمح للمقيمين في المناطق المتأثرة بالترتيبات الجديدة الانتقال بحرية للإقامة في المناطق القانونية التي يختاروها. وهذه الحدود الجديدة، من الناحية المثالية، ينبغي الاعتراف بها – ومنحها ضمانة سياسية – من قبل شركاء روسيا في مجموعة الـ”بريكس”، كما من قبل داعمي أوكرانيا الدوليين الأساسيين.
افتراضات خاطئة
إن الافتراض الذي يرى النظام الدولي مرتكزاً على قاعدة قوية ومطبقة باستمرار ضد غزو الأراضي السيادية، لا يصمد أمام التدقيق بالتجارب التاريخية. فحدود الدول تبدلت مراراً منذ عام 1945، وغالباً بسبب وقائع غزو. إذ كما وثق الباحث والمفكر السياسي دان ألتمان في دراسة أجراها عام 2020، فإن معدل الغزو الناجح للأراضي سجل درجات أعلى في معظم حقبة ما بعد الحرب مقارنة بحقبتي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي. الأمثلة على ذلك ليست قليلة. فقد استولت إسرائيل على مرتفعات الجولان خلال حرب الأيام الستة عام 1967. وبعد مرور عقد من الزمن قامت فيتنام الشمالية بغزو فيتنام الجنوبية، كما فرضت إندونيسيا سيطرتها على تيمور الشرقية. ولم يجر الاعتراف رسمياً بنتائج حملات الغزو تلك كلها، لكن النظام الدولي استوعب التغييرات الناتجة منها كن دون أن ينهار، مما يشير إلى أن قاعدة سلامة الأراضي (السيادية) هي قاعدة طموحة أكثر من كونها قاعدة ضرورية أساسية، وأنها خاضعة على الدوام لموازين القوى على أرض الواقع.
وبالنسبة إلى الحال الراهنة اليوم، فإن سيادة أوكرانيا على أراضيها جرى سلفاً انتهاكها. إذ إن روسيا ضمت دستورياً مناطق القرم، ولوغانسك، ودونتسك، وخيرسون، وزابوريجيا. وهي راهناً تتمتع بسيطرة كاملة على القرم ولوغانسك، إلى جانب أجزاء معتبرة من المناطق الثلاث الأخرى. وصحيح أن روسيا انسحبت في خريف عام 2022 من أجزاء من المناطق المذكورة بفعل الضغط الأوكراني. إلا أن ميزان القوى تبدل مذاك على نحو كبير، وقد باتت موسكو الآن متفوقة من نواحي عديد القوى العسكرية والعتاد، التي تجهد أوكرانيا راهناً لمواجهتها نظراً إلى تضاؤل الدعم الغربي. ومع استمرار دوران رحى الحرب، من المرجح أكثر أن تكسب روسيا أراضي جديدة، لا أن تخسرها. واستمرار عدم الاعتراف الغربي بالتوسع الروسي على الأرض لن يعكس حقيقة خسائر الأراضي التي تتكبدها أوكرانيا.
كذلك لن تؤدي سياسة عدم الاعتراف (بالمكاسب الروسية على الأرض) إلى تقييد السلوك الروسي تقييداً فعلياً، أو إلى ردع المعتدين في أماكن أخرى. فالرفض الدولي للاعتراف بالسيطرة الروسية على القرم لم يثن بوتين عن اجتياح أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. إذ إن الأحداث والوقائع الحاصلة في جزء واحد من العالم لا ترتبط عموماً ارتباطاً وثيقاً بحسابات بقية الدول البعيدة جغرافياً. إن قرار المخاطرة بعمل عسكري مباشر يبنى في الحقيقة على ما يجري حسابه من كلف وقدرات ومصالح استراتيجية، وليس على سوابق قانونية. ومن المعبر هنا في هذا السياق، أنه حتى مع معارضة المسؤولين الغربيين والأوكرانيين الشديدة للتغييرات الرسمية لخريطة الأراضي الأوكرانية، فإن المخاوف في شأن أعمال عدائية محتملة في مناطق كالشرق الأوسط وشرق آسيا بقيت قائمة ومطروحة. وعلى كل حال، فإن تجربة روسيا في أوكرانيا – المتمثلة بأربعة أعوام من حرب طاحنة ذات نتائج أقل بكثير مما كان يأمل الكرملين في تحقيقه – لا تقدم نموذجاً مغرياً للطامحين إلى إعادة رسم الخرائط بالقوة.
في الوقت ذاته، فإن الموقف الاعتراضي الذي يعد الاعتراف القانوني (بالسيطرة الروسية على أراضٍ أوكرانية) بمثابة استسلام أوكراني، لا يبقي مجالاً كبيراً لتحقيق النصر. إذ لو جرى تقييم نتائج الحرب استناداً إلى الوقائع الحاصلة على الأرض وخريطة السيطرة على الأراضي، فإن أوكرانيا خسرت بالفعل. لكن هذا لا يمثل الطريقة الوحيدة لتأطير الأهداف والمقاصد الأوكرانية والغربية. لقد تمثلت الأولوية بالنسبة إلى أوكرانيا وحلفائها الدوليين مباشرة إثر الغزو الروسي الشامل، بالحفاظ على استقلال البلاد وسيادتها. ونجحت أوكرانيا بالفعل وفق هذا المعيار. وهي إلى ذلك أقامت روابط اقتصادية وسياسية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي. وتلك العلاقات أسهمت في تحقيق المطالب المزمنة التي رفعها المتظاهرون المنتفضون في “يوروميدان” بأوكرانيا، الذين سعوا بين عامي 2013 و2014 إلى تحصيل الاعتراف بـ”خيارهم الأوروبي”. والاعتراف الرسمي بنشوء حدود دولية جديدة مع روسيا، في هذا السياق، لا يعرض تلك الإنجازات للخطر. بل إن أوكرانيا في الحقيقة قد تحظى بفرصة أفضل لتحقيق مزيد من التكامل مع الغرب إن تخلت عن مطالبها القانونية بالأراضي والمناطق التي فقدت سيطرتها عليها في الشرق.
وأخيراً، فإن قدرة أوكرانيا على استعادة السيطرة على أراضيها المعترف بها عام 1991 لا تعتمد على ما إذا كانت الحدود الجديدة معترفاً بها قانونياً أو مسلماً بها بحكم الواقع. إذ إن التفاوض من جديد يبقى ممكناً على الدوام إن جرت عملية إعادة رسم لخريطة القوى. إذ طوال نصف قرن رفض الغرب الاعتراف بالضم السوفياتي عام 1940 لأستونيا ولاتفيا وليتوانيا – وهي سياسة لم تسفر عن أي نتائج – بينما اعترف بالضم السوفياتي للجمهوريات الـ12 الأخرى. وفي نهاية المطاف حصلت الجمهوريات الـ15 جميعها على استقلالها سلمياً. من هنا يمكن القول إن العقبة الأساسية لاستعادة الأراضي الأوكرانية وفق خريطة عام 1991، ترتبط في النهاية برفض روسيا التخلي عن مطالباتها بمناطق إقليمية وبقدرتها في فرض السيطرة عليها بالقوة، ولا ترتبط بسياسة الاعتراف المعتمدة في كييف والعواصم الأوروبية الأخرى.
الطريق الأضمن
لا تفتقر حجج رفض الاعتراف القانوني إلى الأساس وحسب، بل إن الإصرار على رفض تعديل الحدود يتجاهل الفوائد المحتملة التي قد تترتب على ذلك. فقد أظهرت دراسات كثيرة أن النزاعات الإقليمية، مقارنة بغيرها من الخلافات بين الدول، أكثر قابلية للتصعيد نحو صراع مسلح. خذوا مثلاً منطقة جنوب آسيا، حيث وقعت صدامات بين كل من أفغانستان والصين والهند وباكستان بسبب مناطق متنازع عليها. وحتى نزاعات “مجمدة” ظاهرياً، كذاك القائم بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، تبقى نزاعات ذات طبيعة عسكرية شديدة، وقابلة للتفاقم.
في المقابل، بوسع الاعتراف القانوني المساعدة في الحد من احتمالات نشوب نزاع مستقبلاً. فالنظام السلمي في أوروبا بعد الحرب، مثلاً، كان بدأ بعملية إعادة رسم أساسية للحدود الدولية في أعقاب عنف الحرب العالمية الثانية. وتطرح منطقة آسيا الوسطى، السوفياتية سابقاً، مثالاً أحدث في هذا الإطار. إذ كما هي الحال في جنوب آسيا، عانت تلك المنطقة نزاعات معقدة على الأراضي، وصدامات حدودية متكررة. وقد جاءت سلسلة من التسويات الحدودية بين قيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان منذ عام 2017، لتسهم في تعزيز الاستقرار والنمو الاقتصادي في مختلف أنحاء المنطقة.
إن الاعتراف الرسمي بالحدود الدولية الجديدة في حال روسيا وأوكرانيا على وجه التحديد، سيحقق على الأرجح فوائد أمنية فورية. كذلك من شأن إيجاد خط فاصل واضح المعالم، أن يسهل تحديد المسؤولية تجاه أي استئناف للأعمال العدائية. وذاك بوسعه تعزيز الردع عبر تسهيل ما يعرف بـ”العقوبات المفاجئة” على روسيا وتجديد الدعم العسكري لأوكرانيا في حال قيام موسكو مجدداً بعمل عسكري غير مبرر. إلى ذلك فإن الحدود المعترف بها على نحو متبادل قد تمكن الجانبين من قبول فكرة الانسحابات المتبادلة لقواتهما، مما يقلص من احتمالات التصعيد غير المتعمدة. وفي حال تفاقم الوضع واندلع نزاع مسلح، فإن الدول المتحالفة مع المعتدي ستكون أقل ميلاً لدعم الغزو إن سبق واعترفت صراحة بالحدود الجديدة. وأخيراً، من شأن الاعتراف الرسمي أن يسهم أيضاً في حرمان القوى القومية في كلا البلدين من حجة أساسية لاستئناف النزاع المسلح والسعي إلى إنزال مزيد من التغييرات بالخريطة على أرض الواقع.
وبعيداً من إطار الأمن، بوسع الحدود الروسية – الأوكرانية المعترف بها دولياً أن تسهل طريق أوكرانيا نحو مزيد من التكامل مع الغرب وتيسر مهامها في إعادة اعمار ما دمرته الحرب. إذ إن فكرة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي ستكون صعبة في كل الأحوال، لكنها ستكون أكثر تعقيداً إن بقيت الحدود الشرقية للبلاد في حال واهية وغير مستقرة وشديدة العسكرة. كذلك يمكن للتسوية الحدودية أن تؤدي إلى تحسين تطلعات أوكرانيا الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب. فالضمانة القانونية للحدود ستكسب البلاد جاذبية أكثر أمام الاستثمارات الخاصة الكبرى، التي ستكون ضرورية جداً لإعادة الإعمار. أما استمرار الغموض، في المقابل، فسيكبح رؤوس الأموال ويبقي أوكرانيا رهينة دائمة لبيئة شديدة التوتر والخطر.
من المغري ربما الحفاظ على وهم سلامة أراضي أوكرانيا وسيادتها، لكن أي اتفاق سلام يبقي على التناقض بين المطالبات القانونية والسيطرة الفعلية على الأرض من شأنه إعاقة جهود إعادة الإعمار وزيادة احتمالات تجدد النزاع. واليوم بعد أربعة أعوام من الحرب الطاحنة، فإن الطريق الأضمن نحو السلام الدائم يتمثل في التوصل إلى اتفاق تعترف من خلاله كل من أوكرانيا وروسيا بالواقع المحقق على الأرض، وتتخليان عن المطالبة القانونية بالأراضي التي لا تسيطران عليها.




