ثقة اقتصادية مطلوبة

في خضم اجتماعات الدورة الثالثة لكل من المجلس الوطني لنواب الشعب والمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني الرابع عشر، تتوالى تأكيدات كبار المسؤولين الصينيين على الثقة التامة في مستقبل البلاد الاقتصادي، وتحقيق الأهداف المخطط لها، ومن بينها معدل النمو البالغ 5% خلال العام 2025. والسؤال هو من أين تأتي هذه الثقة في ظل الواقع الدولي المضطرب، وفي ظل استهداف بكين من قبل واشنطن بإجراءات حمائية وعقابية كثيرة تطول الصادرات والشركات الصينية؟.
التفسيرات الصينية لتلك الثقة تشير إلى عوامل أساسية، من بينها ضخامة السوق المحلية، ليس فقط بسبب عدد السكان الضخم، وإنما لأن البلاد قد استطاعت وعبر عقود نقل الملايين من حالة الفقر إلى مستويات معيشية معقولة في ظل الارتفاعات المتوالية في الدخول، على خلفية تراكم النتائج الإيجابية لعملية التنمية، والتي من أبرز مؤشراتها معدلات النمو العالية.
إلى جانب السوق المحلية الضخمة يوجد نظام صناعي ديناميكي تزداد فيه الفرص، فضلاً عن وجود درجة عالية من المرونة للتعامل مع التقلبات والمخاطر في ظل حالة عدم اليقين العالمية السائدة. وهنا يقول وزير الخارجية الصيني وانغ يي إن بلاده ستوفر «عوامل اليقين لهذا العالم الذي يسوده عدم اليقين».
الصين ليست استثناء في ألا يتحقق معدل النمو المتوقع أو المخطط له. لكن تبقى المسألة مرتبطة بمدى القرب أو البعد من هذا المعدل المحدد. وهنا تعاود الصين التأكيد على ثقتها في تحقيق ما هو مخطط في ظل توافر عنصرين مهمين. أولهما يتمثل في الأساس المتين، وثانيهما قوة عناصر الدعم والضمان. ويتمثل ذلك ليس فقط في ضخامة السوق المحلية، وتوالي تحقيق اختراقات في الأسواق العالمية رغم التحديات القائمة، وإنما أيضاً استناداً إلى ما تخطوه البلاد من خطوات واسعة في مجالات الابتكار والعلوم والتكنولوجيا، ومنها الذكاء الاصطناعي، وبراءات الاختراع، بما في ذلك تلك التي تقوم بها الشركات الصغيرة والمتوسطة، وليس فقط الشركات الحكومية الكبيرة، وحالة تطبيق «ديب سيك» وما أحدثته من دهشة عالمية ليست ببعيد.
هذه الثقة الصينية لا تأتي من فراغ. وتدل على أن الصين ماضية في طريق نهضتها لبناء قوتها الشاملة، والتي تزداد متانة مع مرور الوقت. كما أن بكين دائمة التأكيد على الطابع السلمي لصعودها. والعالم في حاجة إلى أن تسود الثقة في الاقتصادات الكبرى، نظراً لأن أي هزة فيها تؤثر في مختلف أرجاء العالم، خاصة أن «آفاق النمو قابعة عند أدنى مستويات لها منذ عقود» على حد وصف كريستالينا جورجيفا المدير العام لصندوق النقد الدولي.
ليست فقط الثقة الوطنية في الاقتصادات هي المطلوب توافرها لتجنب حدوث أزمات اقتصادية عالمية، وإنما هناك حاجة لأن تسود الثقة بين هذه الاقتصادات.
ففي الوقت الراهن، هناك هزة كبيرة في تلك الثقة حتى في ما بين البلدان التي تنطلق من المنظورات الاقتصادية ذاتها، وتتبع النماذج التنموية نفسها. هذه الثقة لن تتوافر طالما استمرت متوالية الإجراءات العقابية الآخذة في التوسع. هناك حاجة ماسة لفرملة هذا التوجّه حتى يمكن ترميم حالة الثقة في الاقتصاد العالمي.
المصدر: الخليج




