رأي

“تَأبَّطَ شرّاً”

كتب أسامة أبو ارشيد في صحيفة العربي الجديد.

ورد في قصة المثل أعلاه روايات عدة، ولكنها كلها تدور حول الشخص نفسه وفي الإطار الزمني نفسه. أمَّا المقصود هنا فهو الشاعر الصُّعلوك في العصر الجاهلي ثابتُ بنُ جابر الفَهْمي من قبيلة بني فهم من أهل تهامة والحجاز. مناط القصة ورواياتها أن ثابتاً هذا قتل يوماً “غولاً” ووضعه تحت إبطه وجاء به إلى قبيلته، فقيل: تأبَّطَ شرّاً. ومنها أن أمَّه قالت له يوماً: كل إخوتك يأتونني بشيء إذا راحوا إلا أنت، فقال الليلة آتيك بشيء، فدهب واصطاد أفاعيَ كثيرة ووضعها في جِرابٍ مُتأبِّطاً إيّاه فألقاه بين يديها، وعندما فتحته سعت الأفاعي في الخيمة فخرجت هاربة تولول، فسألها نساء الحيّ، ماذا أحضر ثابث؟ قالت: أفاعيَ! فقلن لها، وكيف حملها؟ قالت: في جِراب. قلن: تأبَّطَ شرّاً. وقيل كذلك، إنه كان كُلَّما خرج إلى غزو وضع سيفه تحت إبْطِه، فقالت أمّه يوماً: تأبَّطَ شرّاً. وهكذا عرف ثابت بهذا اللقب وطغى على اسمه. أمّا الصعاليك، فهي صفة تطلق على جماعة من الشعراء والمتمردين العرب الشجعان في العصر الجاهلي ما قبل الإسلام، ممن خرجوا على سلطة قبائلهم رفضاً للفقر والظلم والفوارق الطبقية الاجتماعية وعاشوا في الصحاري والجبال والوديان، واشتهروا بالسطو على القوافل والأغنياء والبخلاء، وتوزيع الغنائم على فقراء قبائلهم، ومن أشهرهم عروة بن الورد، وتأبَّط شرّاً، والشنفرى (عمرو بن مالك.. وفي اسمه خلاف)، وتوبة بن الحمير. ومعنى كلمة “صعلوك” لغةً الفقيرُ الذي لا يملك شيئاً، وقد تأتي بمعنى المتسكِّع الذي يعيش على الهامش، وكذلك المحتال والمتشرِّد.

ذلك أصل المثل العربيِّ الشهير وتفصيل قصته. أما توظيفه في هذا المقال فهو لا يأتي في سياق الشَّرَفِ والتشريف والشجاعة، إذ إن موضوعه والمَوْصوفَ به هنا جبانٌ عديم المروءة والشرف والأخلاق، وهو أحد عناوين الظلم لا متمرّداً عليه. إنه رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومجرم الحرب المطلوب للعدالة الدولية، والمتهم في بلاده بعشرات قضايا الرشوة والفساد، بنيامين نتنياهو. صعلوك، لكن ليس بمعنى الفقر والتشرد، وإنما بمعنى الزَّعْرَنَةِ والفساد والإفساد والجريمة. يوم الثلاثاء الماضي حطَّ نتنياهو رحاله في واشنطن ليلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمرة السابعة في 13 شهراً من عودة الأخير إلى البيت الأبيض. جاءت هذه الزيارة في ظل قرع واشنطن طبول الحرب ضد إيران وتحشيدها العسكري في المنطقة في حال ما فشلت المفاوضات الجارية معها راهناً بشأن برنامجها النووي. إلا أن نتنياهو لا يريد مفاوضات ولا يريد سلاماً في المنطقة، إنه كغراب ناعق في كل خراب، يريد حرباً مدمّرة ما دام أن الولايات المتحدة ستتحمل عبئها إلى حدٍّ كبيرٍ نيابة عن كيانه الطُّفَيْليِّ الإجراميّ. جاء نتنياهو إلى واشنطن مُتَأبِّطاً شَرّاً محاولاً أن يُفشل المفاوضات علَّ ترامب يقوض النظام في إيران بشكل يُسهل إعادة صياغة المنطقة وتجريدها من كل بؤر الممانعة والمقاومة لإسرائيل كي تصبح هي سيدتها والمهيمنة عليها من دون حتى ضجيج العويل. صحيح أن ترامب ومسؤولي إدارته حرصوا، هذه المرّة، على أن يكون لقاؤه مع نتنياهو وراء أبواب مغلقة من دون مؤتمر صحافي، وصحيح أن ترامب أكد في تدوينة بعد لقائه نتنياهو (الأربعاء الماضي) أنه ما زال يفضل الخيار الدبلوماسي مع إيران، إلا أنَّ التقليل من خطورة نتنياهو وقدرته على التحايل والتلاعب بترامب لن يكون أمراً حكيماً.

ترامب قد يستجيب لطلبات نتنياهو أو قد يسقط في فخاخه

عندما شنت إسرائيل عدوانها على إيران في يونيو/ حزيران الماضي، جاء ذلك في خضم خوض واشنطن مفاوضات مع إيران كما اليوم في مسقط وعواصم أوروبية أخرى، وكانت حينها لهجة إدارة ترامب، وترامب نفسه، متفائلة بإمكانية تحقيق اختراق وإنجاز دبلوماسي. ثمَّ ما لبثت الولايات المتحدة نفسها أن دخلت على خط العدوان قاصفة عدة مواقع نووية إيرانية بقنابل هائلة خارقة للتحصينات. هذا سيناريو قد يتكرّر، وربما بصيغة أكثر شراسة وعدوانية، خصوصاً مع حديث وزارة “الحرب” الأميركية عن إمكانية إرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة. نتنياهو المُتَوَجِّسُ من أن يكتفي ترامب باتفاق يكبح برنامج إيران النووي فحسب، يريد على الأقل، إن لم يتم إسقاط النظام في طهران، نزع أنياب إيران المتمثلة في صواريخها الباليستية التي نجح عددٌ منها في الوصول إلى المدن الإسرائيلية في يونيو الماضي، وكذلك تفكيك شبكة حلفائها في المنطقة. بمعنى آخر، هو يريد استسلاماً إيرانياً كاملاً، إن لم يكن خيار إسقاط النظام فيها هدفاً مباشراً لواشنطن، وإعادة تشكيل قوتها ودورها في المنطقة بحيث لا تنافس دور إسرائيل وقوتها. وترامب قد يستجيب لطلبات نتنياهو أو قد يسقط في فخاخه، فترامب هذا شديد التقلب المزاجي، وهو أرعن وغرائزيٌّ، بل حتى شخصية ضحلة وتافهة. من ثمَّ، حتى نعت نتنياهو بالمُتَأَبِّطِ شرّاً قد لا يوفيه حقه، بل هو تجسيد الشّرِّ ذاته.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى