تهديدات بالحرب وأدلة غامضة.. ترامب يواجه إيران مجدداً

لا توجد مؤشرات تُذكر على أن إيران قد أحرزت تقدماً ملموساً في إعادة بناء برنامجها النووي، مما يثير تساؤلات حول توقيت ودوافع الخطط المحتملة لشنّ المزيد من الهجمات.
عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حزيران/يونيو الماضي أنّ الجيش الأميركي نفّذ غارات جوية على إيران، صرّح بأن هدف العملية هو وقف خطر حصول إيران على سلاح نووي. وقال إنه إذا لم يُبرم قادة طهران “سلاماً”، فإن “الهجمات المستقبلية ستكون أشدّ وأسهل بكثير”.
وقد كرّر ترامب هذا التهديد هذا الأسبوع، وهو يدرس الآن القيام بعمل استباقي آخر ضد إيران، الدولة التي لا يشكّل برنامجها النووي أي تهديد مباشر تقريباً للشرق الأوسط أو للولايات المتحدة. ووفقاً لمقابلات مع مسؤولين أميركيين وأوروبيين وهيئات مستقلة تراقب البرنامج الإيراني، لم يحدث الكثير خلال الأشهر الستة الماضية ما يُشير إلى أنّ إيران قد أحرزت تقدماً ملموساً نحو إعادة بناء قدرتها على تخصيب الوقود النووي وتصنيع رأس نووي.
ونتيجةً لذلك، تُثار تساؤلات حول توقيت ودوافع تهديدات ترامب. هل تهدف تهديداته ببساطة إلى إعادة إيران إلى المفاوضات النووية؟ هل ستكون الضربة العسكرية ضد البرنامج النووي ذريعةً لإضعاف أو الإطاحة بآية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران؟ لماذا عادت أسباب ترامب المعلنة لاستهداف إيران إلى البرنامج النووي، بعد أن صرّح في البداية بأنه يسعى للدفاع عن المتظاهرين؟
علاوة على ذلك، إذا كان برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني قد تم تدميره بالكامل، كما قال ترامب في حزيران/يونيو الماضي، فما هي الأهداف المحتملة لضربة جديدة؟
قد تكون حملة عسكرية أميركية ثانية في إيران، بحسب نطاقها وأهدافها، أكثر زعزعة للاستقرار من الأولى، وذلك لعدة أسباب.
أولها اعتقادٌ داخل البيت الأبيض بأن الاحتجاجات الأخيرة في إيران، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية، قد أضعفت الحكومة الإيرانية لدرجة أن أي عمل عسكري أميركي أو إسرائيلي قد يُعجّل بانهيارها، مع عواقب غير مؤكدة.
ثانياً، تقييمٌ لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بأن أي هجوم إيراني مضاد باستخدام الصواريخ الباليستية قد يستهدف المدن الكبرى في “إسرائيل”، بعد أن استهدفت الهجمات الإيرانية على “إسرائيل” العام الماضي في معظمها مواقع عسكرية وحكومية.
وقد دعم البنتاغون تهديدات ترامب، فبدأ حشداً عسكرياً ضخماً في الشرق الأوسط، شمل حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” وسفن دعم متعددة قادرة على إطلاق صواريخ توماهوك. كما تم نشر طائرات مقاتلة وسفن تزويد بالوقود وأنظمة دفاع صاروخي في المنطقة. لكن حتى كبار مستشاري الرئيس يعترفون بأنهم لا يملكون تصوراً واضحاً لما قد يحدث إذا استمر الوضع في التصاعد.
وكان ترامب قد وعد في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء بأن الجيش الأميركي سيتحرك “بسرعة وقوة” إذا لم تكن إيران مستعدة “للتفاوض على اتفاق عادل ومنصف” لإنهاء برنامجها النووي.
أفاد أشخاص مطلعون على المعلومات الاستخباراتية بأنها غامضة إلى حد ما. ولا يزال اليورانيوم المخصب المدفون في المواقع الثلاثة التي استُهدفت في حزيران/يونيو، وهو الوقود الأقرب إلى أن يُحوّل إلى مادة صالحة لصنع القنابل، موجوداً في مكانه، ويبدو أنه مدفون من دون أن يُمس. وبدون الوصول إلى هذا المخزون، الذي يقع معظمه في منشأة في أصفهان، سيكون من الصعب للغاية صنع حتى عدد قليل من الأسلحة البدائية.
يعمل الإيرانيون في مواقعهم النووية، ساعين إلى حفر مواقع أعمق، بعيداً عن متناول أقوى القنابل التقليدية الأميركية. لكن وكالات الاستخبارات الغربية لم ترصد أي مؤشرات على تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية لإنتاج مواد قابلة لصنع القنابل، أو أي تحركات أخرى لإنتاج رأس حربي فعلي، وفقاً لمصادر مطلعة على المعلومات الاستخباراتية.
لم تُنشئ إيران مواقع نووية جديدة، بحسب عدة مصادر مطلعة على تقييمات الاستخبارات الأميركية. مع ذلك، رُصد نشاط إيراني في موقعين نوويين لا يزالان قيد الإنشاء، كانا معروفين للولايات المتحدة و”إسرائيل” والمفتشين الدوليين لسنوات عديدة، لكنهما لم يُستهدفا في حرب العام الماضي. يقع أحدهما بالقرب من موقع نطنز لتخصيب اليورانيوم، الذي استهدفته كل من “إسرائيل” والولايات المتحدة. والآخر بالقرب من أصفهان.
تتعارض تقييمات الحكومة الأميركية لتأثير ضربات حزيران/يونيو الماضي إلى حد ما مع مزاعم الرئيس المبالغ فيها.
في رسالةٍ قدّمت استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض، ونُشرت في تشرين الثاني/نوفمبر، أكّد ترامب مجدداً أنّ الحملة العسكرية قد “قضت” على قدرة إيران النووية على تخصيب اليورانيوم. إلا أنّ وثيقة الاستراتيجية الرئيسية أكثر حذراً، إذ تُصرّح فقط بأن الضربات العسكرية “أضعفت بشكلٍ كبير البرنامج النووي الإيراني”.
ولا تزال أجهزة الطرد المركزي في موقع فوردو النووي، محور الضربات الأميركية العام الماضي، معطلة. وقد خلص مفتشو الطاقة النووية الدوليون إلى أنّ الصدمة الناتجة عن القنابل الخارقة للتحصينات وحدها قد دمّرت على الأرجح الأجزاء الداخلية الدقيقة لتلك الأجهزة، التي تدور بسرعات تفوق سرعة الصوت. لكن المسؤولين الأميركيين قالوا إنّ إيران اتخذت خطواتٍ لمعرفة إمكانية استبدالها.
قدّر بعض المسؤولين الأميركيين الذين راجعوا التقارير الاستخباراتية أنه إذا تمكنت إيران من استخراج وقودها النووي المدفون وتشغيل المواقع الجديدة أو القائمة، فستحتاج إلى حوالي شهرين لإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي والعودة إلى وضعها قبل الضربة التي شنتها العام الماضي.
وحتى لو تمكنت إيران من تخصيب اليورانيوم إلى درجة تخصيب كافية لصنع قنبلة، فسيظل عليها صنع قنبلة، وهي عملية تستغرق شهوراً على الأقل.
لكن بينما جهزت الحكومة المواقع، لم تتخذ خطوات ملموسة لتخصيب اليورانيوم إلى مستويات عالية، وهو الشرط الأساسي لصنع سلاح نووي. ويعتقد القادة الإيرانيون أنّ الاستخبارات الإسرائيلية قد توغلت في حكومتهم وبنيتهم التحتية العلمية لدرجة أنّ “إسرائيل” والولايات المتحدة ستكتشفان سريعاً أي محاولة لإعادة إحياء البرنامج النووي.
ولا تختلف تقييمات الاستخبارات الإسرائيلية لحالة البرنامج النووي الإيراني اختلافاً كبيراً عن تقييمات وكالات التجسس الأميركية. وتخلص هذه التقييمات عموماً إلى أنّ الحملة العسكرية التي شُنّت العام الماضي أخرت المشروع النووي الإيراني من ستة أشهر إلى سنة.
لكنّ القلق في “إسرائيل” أكبر بكثير حيال مساعي إيران لتطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، التي قد تُلحق أضراراً جسيمة بـ “إسرائيل” في حال نشوب جولة أخرى من القتال.
المصدر: صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية




