تلك هي تجربتنا مع الأكراد

في تركيا، يبدأ سؤال “هل يمكن للمسلم أن يكون عنصريا؟” بوصفه نقاشا لاهوتيا دينيا، لكنه غالبا ما يتسع ليرتبط بالقضية الكردية، ذلك أن سياسات الهوية في تركيا لا تدار فقط على أساس عرقي أو طبقي، بل أيضا ضمن إطار ديني وأخلاقي، إذ يراد للتدين أن ينظر إليه بوصفه “ضمانة أخلاقية” ضد العنصرية، وكلما بدا أن هذه الضمانة قد اختلت، احتدم الجدل.
ومؤخرا، عاد هذا النقاش إلى الواجهة إثر تصريحات حسين تشيليك، الذي شغل لسنوات طويلة مناصب سياسية في حزب العدالة والتنمية، وتولى وزارتي التعليم الوطني والثقافة.
فعبارته التي مفادها أن “ممارسة المسلمين للعنصرية أمر مفجع” ليست موضع اعتراض في المجمل، إذ إن مبادئ الإسلام تدين صراحة ادعاءات التفوق القائم على العِرق. ويعد موقف النبي ﷺ حين قال لأبي ذر، بعد أن وجه كلاما مسيئا لبلال الحبشي “إنك امرؤ فيك جاهلية”، خلاصة كلاسيكية مؤسسة لهذا الإطار الأخلاقي.
لكن موضع الجدل لم يكن في هذا التوصيف الذي أورده تشيليك، بل في الادعاء الذي أعقبه بقوله: “إن الجماعات الإسلامية والبيئة المتدينة لزمت الصمت إزاء ما تعرض له الأكراد”.
أعادت هذه العبارة إلى الواجهة انتقادا قديما في تركيا مفاده أن “المتدينين يظهرون حساسية تجاه آلام المسلمين في جغرافيات أخرى، لكنهم لا يبدون الحساسية ذاتها إزاء آلام الأكراد في بلادهم”.
وهذه الدعوى ليست جديدة، فقد طُرحت من قبل عبارات مماثلة، ولا سيما من بعض الأوساط القومية الكردية، جرى ترويجها وتداولها بوصفها حقيقة. وهكذا تتحول المسألة من مراجعة لانتهاكات الحقوق إلى حكم تعميمي يمس بصدقية التدين.
وفي هذه النقطة تحديدا، وحتى يمكن إدارة النقاش بصورة نقدية وعادلة، لا بد من القيام بأمرين في آن واحد:
عدم إنكار حقيقة ما تعرض له الأكراد من ظلم وانتهاكات للحقوق.
وعدم تحويل هذه الحقيقة إلى مادة للتعميم تهدف إلى وضع المجال الإسلامي/المتدين بأكمله في خانة “المتفرج”.
إلى ماذا تشير تصريحات حسين تشيليك؟
إن تصريحات حسين تشيليك تحدث أثرين رئيسيين:
أولا، أنها تكتسب مشروعية واسعة؛ لأنها تنطلق من أرضية أخلاقية قوية؛ فمقولة: “لا يمكن للمسلم أن يكون عنصريا” منسجمة مع التعاليم الأساسية للإسلام.
أما الثاني، فإن الحكم القائل: إن “الجماعات وقفت موقف المتفرج” يمحو التعددية داخل المجال الديني في تركيا، ويدفع بالنقاش إلى أرضية “الإدانة الجماعية”.
وهذا الإطار يخدم، على وجه الخصوص، بعض السرديات القومية الكردية، إذ يقال “انظروا، لا يقر واحد منهم بذلك”. وهكذا يتحول النقاش، بدل أن يكون مراجعة ذاتية جادة، إلى أداة لإصدار حكم سياسي جماعي على المتدينين عبر شخصية “المعترف”.
لكن مقاربة الأوساط المتدينة والإسلامية في تركيا لمسألة الأكراد لم تكن يوما خطا واحدا. نعم، صحيح هناك بعض الفئات تأثرت بلغة تعليمية ذات نزعة وطنية-قومية، بل إن بعض الجماعات اقتربت تاريخيا من الخطاب القومي، لكن في المقابل، وجدت أيضا إلى جانب ذلك دوائر إسلامية حقوقية طرحت بقوة في تسعينيات القرن الماضي قضايا الانتهاكات الجسيمة مثل إخلاء القرى، وجرائم “الفاعل المجهول”، وادعاءات التعذيب، وحالات الاختفاء أثناء الاحتجاز، بل واصطدمت بسبب ذلك مع الدولة. كما شهدت المجلات الإسلامية في الفترة نفسها تيارا فكريا واسعا ناقش المسألة الكردية بجدية وعمق.
وعليه، فإن ادعاء “الوقوف موقف المتفرج” غير عادل لاسيما حين يتحول من توصيف قد يصح جزئيا على بعض الأوساط إلى تعميم يسقط على جماعة كاملة.
تفرد المفهوم الإسلامي: موقف مناهض للظلم ونقد للنزعة القومية
يتمثل التمييز الأساسي الذي يقيمه المنظور الإسلامي في مقاربته للمسألة الكردية في الآتي:
رفض الظلم والإنكار اللذين تعرض لهما الأكراد، لكن من دون اعتبار القومية المضادة التي ولِدت ردا على ذلك الظلم “طريقا للخلاص”.
لهذا السبب يتعرض الإسلاميون غالبا لانتقادات من جهتين في آن واحد:
فهم يتهمون من قبل الأوساط ذات النزعة الوطنية-القومية بأنهم “موالون للأكراد”.
ويتهمون من قبل الأوساط القومية الكردية بأن موقفهم “غير كافٍ”.
لكن معيار الإسلام السياسي ليس تحويل الهوية العرقية إلى أداة للهيمنة السياسية، بل ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وتعزيز العدل، وتقوية أسس العيش المشترك.
هذا لا يعني أن الإسلاميين “غير معنيين بحقوق الأكراد”، بل يعني إصرارهم على صياغة إطار للحقوق لا يرسخ الانقسام العرقي ولا يجعله أمرا دائما.
يؤول لب الجدل الذي تجدد مع تصريحات حسين تشيليك إلى مسألة دقيقة: الاعتراف بالظلم الذي تعرض له الأكراد والمطالبة بالمحاسبة أمر لا غنى عنه؛ لكن تحويل ذلك إلى خطاب يدين “المتدينين” بالجملة ويحوله إلى صراع هويات سياسي قد يعمق المشكلة
تجربة حزب العدالة والتنمية: حين تحولت المقاربة الإسلامية إلى سياسة دولة
لا يخفى على أحد أن أوسع خطوات توسيع الحقوق في المسألة الكردية في تركيا تحققت خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية.
فقد شهدت تلك المرحلة تعزيز الحضور العلني للهوية الكردية، وتوسيع هامش استخدام اللغة الكردية في الإعلام والتعليم، والسماح بالبث بها وطرحها مادة اختيارية في المدارس، إلى جانب إعادة بعض الأسماء المحلية، وإطلاق مسار سياسي عرف بـ”عملية السلام”.
وكانت الغاية من هذه الخطوات إخراج القضية من الإطار الأمني الضيق ونقلها إلى المجال السياسي والحوار المدني.
والأطروحة الجوهرية هنا أن الإطار الأكثر عقلانية وشمولا لمعالجة المسألة الكردية لم ينبثق من إستراتيجية الكفاح المسلح، بل من مسار الإصلاحات السياسية القائمة على توسيع الحقوق وترسيخ المشاركة.
فالخيار المسلح لم يؤدِ فقط إلى تشديد المقاربة الأمنية لدى الدولة، بل ساهم أيضا في تصوير المجتمع الكردي وكأنه كتلة واحدة متجانسة، مما حد من إبراز تنوعه السياسي الداخلي.
في المقابل، أتاحت فترات الإصلاح توسيع مساحة الحقوق وفتح قنوات تمثيل سياسي أكثر تعددية. وهذا التوتر بين منطق السلاح ومنطق السياسة يظل أحد أبرز المآزق التي تحكم تطور القضية في تركيا.
البعد السوري: لماذا يبدو الحل الذي يطرحه التيار المتدين أكثر قابلية للاستدامة؟
في سوريا، تعقدت المسألة الكردية بفعل إرث سياسات المواطنة وإنكار الهوية التي رسخها نظام حزب البعث العربي الاشتراكي. وبعد عام 2011، اتجه الكيان الفعلي الذي تشكل في الشمال الشرقي- ممثلا في قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب- إلى إنتاج وضع سياسي قائم على الدعم الخارجي والقدرة العسكرية.
لكن هذا النموذج، رغم ما وفره من نفوذ ميداني، حمل في طياته مخاطر تعميق التنافس الإقليمي وترسيخ توترات ديمغرافية وسياسية طويلة الأمد.
في المقابل، يطرح المنظور الإسلامي/المتدين في سوريا إطارا مختلفا يقوم على معادلة ثلاثية: الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، والاعتراف بالحقوق الثقافية، إلى جانب تفكيك البنى المسلحة أو دمجها في مؤسسات الدولة.
وهذا الطرح لا يعني إنكار الهوية الكردية، بل السعي إلى إضفاء شرعية دستورية عليها داخل كيان الدولة. وينظر إليه بوصفه أكثر قابلية للاستمرار مقارنة بمشاريع “الكيانات شبه الدولتية” المدعومة خارجيا، لأنه لا يقوم على تفتيت المجال السياسي، بل على تأطير العيش المشترك ضمن مؤسسات جامعة.
جوهر النقاش: “الحق” أم “الضغينة”؟
يؤول لب الجدل الذي تجدد مع تصريحات حسين تشيليك إلى مسألة دقيقة: الاعتراف بالظلم الذي تعرض له الأكراد والمطالبة بالمحاسبة أمر لا غنى عنه؛ لكن تحويل ذلك إلى خطاب يدين “المتدينين” بالجملة ويحوله إلى صراع هويات سياسي قد لا يؤدي إلى حل المشكلة، بل إلى تعميقها.
وهنا يتقدم الادعاء المركزي للتيار الإسلامي: الوقوف في وجه الظلم واجب إيماني، غير أن تحويل الضغينة التي يولدها الظلم إلى “وثن قومي” جديد لا يصنع تحررا. فأثر العنصرية لا يداوى بعنصرية مضادة، بل بإقامة العدل وترسيخ موازينه.
الخلاصة: رد سيدنا علي على الخوارج: “كلمة حق يراد بها باطل”
قول إن “عنصرية المسلمين أمر مفجع” عبارة صحيحة في ميزان الأخلاق والدين، غير أن تعميم الاتهام بأن “الجماعات وقفت موقف المتفرج” يحمل خطرين:
تجاهل التنوع داخل التيار الإسلامي.
وتغافل التجارب العملية التي سعت إلى معالجة المسألة بمنطق الإصلاح وتوسيع الحقوق.
وعندما يستثمر هذا التعميم في السجال القومي بوصفه “اعترافا”، ينحرف النقاش عن مساره العادل، ويتحول إلى وقود لدورة جديدة من الاستقطاب والضغائن.
لقد أثبتت التجربة التركية أن أوسع مسارات الحل لم تأتِ من منطق السلاح، بل من منطق السياسة والإصلاح وتعزيز العيش المشترك.
كما أن التجربة السورية تظهر أن الاستقرار الدائم لا يتحقق بترسيخ البنى المسلحة أو تكريس الأمر الواقع، بل بإقامة نظام سياسي يقوم على المواطنة المتساوية، ويعترف بالحقوق الثقافية، ويصون وحدة البلاد.
فالمسألة ليست في علو الصوت، بل في القدرة على بناء نظام عادل ومستقر. والرهان الحقيقي لا يكون على تأجيج الهويات، بل على ترسيخ العدل بوصفه القاعدة التي تذيب أسباب النزاع وتفتح أفقا لمستقبل مشترك.




