رأي

تفعيل «دبلوماسية الألوان المائية» | بوتين – ويتكوف: عودةٌ إلى التفاؤل

كتب سعيد محمد, في الأخبار:

فيما وصف الكرملين محادثات ويتكوف – بوتين بـ«المفيدة والبناءة»، أكد ترامب أنها كانت «مثمرة للغاية»، وأحدثت «تقدّماً كبيراً» في اتجاه تسوية النزاع في أوكرانيا.

لندن | في قاعة أندريفسكي المَهيبة داخل أسوار الكرملين، تَصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والمبعوث الرئاسي الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، أمام عدسات مصوّرين احتشدوا لالتقاط لحظةٍ يبدو أنها ستمهّد – على الأقلّ كما زعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب -، مسار التسوية المأمولة في أوكرانيا.

وقد أمضى الرجلان بعدها ثلاث ساعاتٍ كاملة في اجتماعٍ مغلَقٍ وصفه مساعدُ الكرملين، يوري أوشاكوف، لاحقاً، بأنّه “مفيدٌ وبنّاء”، مؤكّداً أنّ الطرفين تبادلا إشارات بين بلديهما، من دون أن يفصح عن مضمونها. وبحسب أوشاكوف، تركّزت المحادثات على ثلاثة محاور: وقف التصعيد في أوكرانيا، آفاق الشراكة الإستراتيجية بين موسكو وواشنطن، و”الضمانات الأمنية المتبادلة”.

ونقلت وكالات الأنباء عن دبلوماسي روسي سابق، قوله إنّ الكرملين قدّم اقتراحاً بوقفٍ متبادلٍ للضربات الجوية كخطوةٍ أولى، وهو عرضٌ يقلّ كثيراً عن الهدنة الشاملة التي تطالب بها كييف وواشنطن. على أنّ أجواء التفاؤل الحذِر هذه لم تبدّد شبح مهلةٍ نهائية حدّدها الرئيس الأميركي، وتنتهي غداً الجمعة: إمّا وقفُ الحرب المستعرة منذ ثلاث سنواتٍ ونصف سنة، أو حزمةُ عقوباتٍ وتعرفاتٍ جمركية قاسية قد تطاول ليس روسيا وحدها، بل شركاءها التجاريين الكبار في آسيا وأوروبا.

لكن لهجة ترامب تبدّلت مع انتهاء اللقاء الروسي – الأميركي، فلم يأتِ، في منشوره الذي كتبه على “تروث سوشال”، على ذكر تلك المهلة، بل أكّد أن مبعوثه، ويتكوف، “عقد للتوّ اجتماعاً مثمراً للغاية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لقد أحرزنا تقدُّماً كبيراً! وبعد الاجتماع، قمت بإطلاع بعض حلفائنا الأوروبيين على المستجدات. الجميع متّفق على أن هذه الحرب يجب أن تنتهي، وسنعمل على تحقيق ذلك في الأيام والأسابيع المقبلة”.

وحضر اللقاء عن الجانب الروسي كلٌّ من أوشاكوف، وسفير موسكو السابق في واشنطن أناتولي أنتونوف، ورئيس صندوق الاستثمار المباشر كيريل ديميترييف، الذي اصطحب ويتكوف صباحاً في نزهة قصيرة عبر متنزّه “زاريادي”، حيث بدا أنّ الطقس المعتدل والحدائق المعلّقة سيخلقان نوعاً من المزاج الإيجابي بين المفاوضين قبل الدخول في نقاشات شديدة التعقيد. ومن الجانب الأميركي، رافق ويتكوف، القائم بالأعمال الأميركي في موسكو، وعددٌ محدود من مسؤولي مجلس الأمن القومي، في تشكيلةٍ عكست رغبة واشنطن في الحفاظ على قناة تواصل صغيرة ومرِنة يمكنها التحرّك بعيداً من ضجيج الإعلام والبيروقراطية التقليدية في العاصمة.

على أن ويتكوف لا يمتلك سيرةً دبلوماسيةً تقليدية؛ فهو ملياردير عقارات بنى ناطحات سحابٍ في ميامي ونيويورك قبل أن يطلب إليه ترامب، في كانون الثاني الماضي، الاضطلاع بدور “صانع الصفقات” في ثلاث جبهات ملتهبة: أوكرانيا، قطاع غزة، والملف النووي الإيراني. ومنذ ذلك الحين، أصبح زائراً دائماً لموسكو؛ خمسُ زياراتٍ في أقلّ من عشرة أسابيع، إحداها أفضت إلى هديةٍ شخصية من بوتين، هي لوحة زيتية لترامب نُقلت إلى المكتب البيضاوي، الأمر الذي أثار سخرية منتقدين وصفوا جهوده بـ”دبلوماسية الألوان المائية”. مع ذلك، يَعتقد البيت الأبيض أنّ علاقاته الشخصية وخلفيته التفاوضية في عالم المال، تمنحانه القدرة على قراءة إشارات بوتين واستثمار أيّ انفراجة – ولو صغيرة – في سبيل التوصّل إلى صفقة كبرى تنهي الحرب سريعاً.

لم يُكشف عن مضمون المسوَّدة التي عاد بها ويتكوف إلى فندقه على ضفة نهر موسكفا

وكانت العلاقات بين واشنطن وموسكو توتّرت قبل أسبوعين، بعدما أطلق ترامب تهديده الأكثر وضوحاً في ما خصّ الحرب الأوكرانية، بقوله إن على روسيا القبول بوقف فوري لإطلاق النار خلال 50 يوماً. لكنّ الرئيس الأميركي، الذي اشتهر بتغيير مواقفه تبعاً للحسابات اللحظية، قلَّص المهلة إلى عشرة أيام بعد تصاعد القصف الروسي على كييف ومقتل عشرات المدنيين، ولوّح بعقوباتٍ تستهدف “أسطول الظلّ” من ناقلات النفط الروسية، وبرسومٍ جمركية قد تصل إلى 60% على الدول التي تشتري خام الأورال فوق سقف حدّده الاتحاد الأوروبي، مع إشارة صريحة إلى الهند والصين.

ويقول محلّلون مختصّون بالشأن الروسي، إنّ بوتين مقتنع بامتلاك جيشه زمام المبادرة الميدانية، ويفترض أنّ أيّ تراجع أحادي سيُفهم في كييف والعواصم الغربية كعلامة ضعف. ويصرّ الكرملين على ثلاثة شروطٍ للتسوية لا تَقبل المساومة: اعترافٌ دولي بسيطرته على الأراضي التي ضمّها، حياد أوكرانيا دستورياً، وتعهدٌ ملزِم بعدم توسيع حلف “الناتو” شرقاً. أمام هذه السقوف المرتفعة، يبدو أن ويتكوف منفتح على صيغةٍ لتبريد الصراع تبدأ بوقف الضربات الجوية المتبادلة، وتفتح الباب أمام محادثاتٍ أشمل. لكنّ مصادر مطّلعة على فحوى المحادثات تتكهّن بأنّ الروس “لم يقدّموا تعهّداً مكتوباً”، واكتفوا بالإعراب عن “انفتاحٍ مبدئي” مشروط باعتراف غربي بالوقائع الجديدة على الأرض.

في هذه الأثناء، كانت كييف تتابع الأنباء من العاصمة الروسية بحذرٍ شديد، إذ بعد ليلة جديدة من القصف الروسي الذي دمّر محطةً رئيسية لضغط الغاز في أوديسا، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أنّ بلاده “لن تقبل بأيّ هدنة انتقائية” تسمح لروسيا بإعادة تجميع قواها، مجدّداً مطالبته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بـ”التعجيل في فرض عقوبات ضدّ الدول التي تساعد موسكو في الالتفاف على قيود النفط”.

وأضاف كبيرُ موظفيه، أندري يرماك، أنّ “الكرة في الملعب الروسي”، وأنّ أوكرانيا “لن تقبل بأقلّ من وقفٍ شامل للنار يعقبه مؤتمرُ قمةٍ يضع خريطة طريق للتسوية”. لكنه شدّد على أنّ أيّ تسوية يجب أن تضمن “انسحاباً كاملاً” وتحديد جدولٍ زمنيٍّ واضح لمفاوضات الوضع النهائي، مرحّباً في الوقت ذاته بأي خطوةٍ تقلّل من عدد الصواريخ التي تتساقط على المدن الأوكرانية. وفي خلفيّة هذه التصريحات، تضغط كييف على الكونغرس لتسريع حزمةِ مساعدات عسكرية معطّلة منذ بعض الوقت، في حين أعلنت هولندا تخصيص نصف مليار يورو لشراء ذخيرة وصواريخ من المخزون الأميركي بهدف “زيادة الضغط على موسكو وإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات”.

على أنّه وحتى مساء أمس، لم يُكشف عن مضمون المسوَّدة التي عاد بها ويتكوف إلى فندقه على ضفة نهر موسكفا. ومع ذلك، وبحسب الخبراء، فإن ثمة احتمالاً كبيراً لحدوث انفراجة محدودة بعد لقاء بوتين – ويتكوف، ولا سيما إذا قبل الجانب الروسي بتجميد الضربات الجوية عشرة أيام قابلة للتمديد، فتعلن واشنطن من جهتها تعليقَ العقوبات الجديدة وتبدأ مشاوراتٍ ثلاثية مع أوكرانيا لترتيب مؤتمر قمّة. ويمكن أيضاً أن تُؤجّل الأزمة من خلال موافقة روسيا على استئناف جولةِ تفاوضٍ تقنية في جنيف من دون التزام زمني واضح بوقف إطلاق النار، فتمدّد واشنطن المهلة لأسبوعين إضافيين.

وممّا يدفع إلى التفاؤل، ما تأكد من اتصالاتٍ مكثّفة انطلقت بين موسكو وواشنطن عبر قنوات أمنية موازية غير معلنة لحسم تفاصيل مداولات بوتين – ويتكوف الأخيرة قبل موعد الجمعة.
وهكذا، إذا نجحت مهمّة مبعوث الرئيس ترامب الخاص، فقد نشهد أوّل هدنةٍ فعلية منذ استئناف المعارك الكثيفة في هجوم الربيع. أمّا إذا فشلت، فالعالم مقبلٌ على فصلٍ جديد من الصراع، يمتدّ من ساحات القتال في دونيتسك وخيرسون ولا ينتهي عند أسواق النفط وناقلات الخام في أعالي البحار.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى