تصنيفات وتحذيرات تنمويّة

بينما تشير أحدث التصنيفات الخاصة ببلدان العالم ومناطقه المختلفة إلى تحسن كبير خلال نحو أربعة عقود، فإن التحذيرات تتزايد من إمكانية تعثر هذا التحسن في ظل متغيرات آخذة في التشكل.
طبقاً للتصنيف الأخير للبنك الدولي لبلدان العالم بحسب مستوى الدخل، فإن منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ قد تراجع عدد الدول منخفضة الدخل فيها إلى 3% فقط في عام 2024، بعدما كانت النسبة 26% في عام 1987. وفي أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي ارتفعت نسبة الدول مرتفعة الدخل إلى 46% بعدما كانت 9% فقط في التاريخين المذكورين، وفي إفريقيا جنوب الصحراء وصلت نسبة الدول منخفضة الدخل إلى 45% بعدما كانت 75%.
يلاحظ أنه رغم التحسن في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، إلا أن نسبة البلدان منخفضة الدخل ما زالت عالية جداً، وهي الأعلى بين كل مناطق العالم، هذا رغم الإمكانيات المادية والبشرية الكبيرة التي تمتلكها تلك المنطقة، لكنها في ذات الوقت تواجه بعقبات هيكلية كثيرة تحول دون انعتاقها من الفقر، من بين هذه العقبات الحروب والصراعات الداخلية، وضعف تدفقات الاستثمارات الخارجية، وهياكلها الاقتصادية المعتمدة أساساً على استخراج المواد الخام، إضافة إلى الفساد، ولا يمكن إغفال أثر التغيرات المناخية.
المخاوف لم تعد تتعلق بالمناطق الهشة في العالم فقط، وهذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الحديث عما أسماه ب «حالة الطوارئ الإنمائية» بعد عقود من التقدم، حيث اعتبر أن «محرك التنمية متعثر»، ومن ثم ذهب غوتيريش إلى أنه ليس مصادفة كون «تسعة من أصل عشر دول ذات أدنى مؤشرات للتنمية البشرية تعيش حالياً في حالة صراع».
هذا الأمر لا يعد عرضياً طبقاً لكاني ويغناراجا مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة والمديرة الإقليمية لآسيا والمحيط الهادئ في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وإنما يعكس «نقاط ضعف عميقة تركت من دون معالجة».
سيزداد هذا الأمر تعقيداً بطبيعة الحال مع المؤشرات الجديدة التي أشارت المسؤولة الأممية إلى بعض ملامحها بالقول «لأول مرة منذ 35 عاماً، تباطأ التقدم في التنمية البشرية بشكل ملحوظ، لدرجة أن أكثر من نصف دول العالم لم تتعاف بعد إلى مستويات ما قبل الجائحة».
يمكن أن يضاف إلى كل ذلك حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، والاتجاهات السلبية بخصوص المساعدات المقدمة للدول النامية، وفي الوقت نفسه التزايد الكبير في الإنفاق العسكري العالمي.
في ظل هذا الواقع الدولي المعقد، تحتاج الدول الفقيرة إلى مشاريع تنموية وطنية طويلة المدى تتضمن برامج تنموية محلية يمكن أن تجذب إليها الاستثمارات الخارجية، وفي الوقت نفسه فإن هناك حاجة إلى مبادرات دولية من أجل التخفيف عن كاهل هذه الدول فيما يتعلق بأعباء الديون، سواء عبر إعفائها من نسبة منها أو تأجيل السداد أو تحويلها إلى استثمارات. تحتاج هذه الدول أيضاً إلى مبادرات واضحة فيما يتعلق بنقل التكنولوجيا، وتدريب كوادرها البشرية لكي تكون قادرة على قيادة برامجها التنموية. أبناء هذه الشريحة من الدول في حاجة إلى الأمل في غدٍ أفضل حيث تمتلك بلدانهم الكثير من مقوماته، لكنها إما معطلة أو منهوبة.
المصدر: الخليج




