تركيا: من حلم عثماني إلى وسيط براغماتي

كتب محمد الصالحين الهوني في صحيفة العرب.
القوة في عالم اليوم لا تقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الثروات الطبيعية بل بقدرة الدولة على التكيف وعلى خلق الفرص من داخل الأزمات وعلى التوازن فوق حبال السياسة الدولية الرفيعة.
خلال عام 2026، تتحول تركيا إلى مسرح دبلوماسي عالمي، تستضيف قمة قادة الناتو في أنقرة، ومؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في أنطاليا، وقمة منظمة الدول التركية في مدينة لم يُعلن عنها بعد. عشرات من قادة العالم سيحطّون في مطاراتها، وستُعقد الاجتماعات في المجمع الرئاسي وفي مقر عسكري جديد يحمل اسم “آي يلدز”، المستوحى من الهلال والنجمة في العلم التركي. هذا الحضور الدولي ليس وليد الصدفة، بل ثمرة مسار طويل من تحولات إستراتيجية شهدتها السياسة الخارجية التركية على مدى عقدين؛ تحولات دفعت أنقرة إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي والدولي، والانتقال من حلم الهيمنة إلى واقعية الوساطة.
في العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية، تبنّت تركيا خطاب “العمق الإستراتيجي”، الذي صاغه أحمد داوود أوغلو، وسعت إلى استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية عبر سياسة “صفر مشاكل مع الجيران”. كانت أنقرة تطمح إلى أن تكون لاعبًا مركزيّا في محيطها، من البلقان إلى الشرق الأوسط، مستندة إلى القوة الناعمة، وتعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية، وتقديم نموذج ديمقراطي إسلامي معتدل. بدت وكأنها تجمع بين هوية غربية وشرقية، وحققت تقدمًا ملحوظًا في علاقاتها مع سوريا وإيران والعراق وحتى أرمينيا.
أنقرة نجحت في الانتقال من نموذج الحلم العثماني الأيديولوجي إلى نموذج الوسيط الإقليمي البراغماتي وتخلت عن أحلام الهيمنة وتبنت دورا أكثر واقعية يقوم على إدارة التعقيدات والتوازن بين القوى
لكن هذا الصرح انهار مع اندلاع الثورات العربية عام 2011. فالموقف التركي الداعم للإخوان المسلمين أدى إلى قطيعة مع مصر والسعودية والإمارات، والتدخل في سوريا كشف حدود القوة التركية وأدخلها في عزلة إقليمية وأزمات داخلية بسبب اللاجئين والعمليات العسكرية. من رحم هذا الفشل، ولدت إستراتيجية جديدة أكثر واقعية: “دبلوماسية الميزان”. لم تعد أنقرة تسعى إلى حل التناقضات، بل إلى إدارتها. تحولت من لاعب يسعى لتشكيل المنطقة وفق رؤيته، إلى لاعب يبحث عن فرص في الفجوات، ويوازن بين القوى الكبرى.
هذا النموذج البراغماتي هو ما يفسّر قدرة تركيا اليوم على استضافة قمة الناتو، رغم علاقاتها المعقدة مع روسيا. فأنقرة، رغم عضويتها في الحلف، طوّرت علاقة تقوم على التعاون والتنافس مع موسكو، خاصة في الملفين السوري والأوكراني. لعبت دورًا محوريّا في اتفاقية الحبوب عبر البحر الأسود، مانعة أزمة غذاء عالمية، واستضافت مباحثات سلام رغم عدم نجاحها. هذا الدور لم يكن بدافع أخلاقي، بل براغماتي: تعزيز مكانتها الدولية، حماية البحر الأسود، وضمان مصالحها الاقتصادية المرتبطة بالطاقة الروسية والأسواق الأوروبية.
البراغماتية نفسها ظهرت في القرن الأفريقي، حيث بنت تركيا حضورًا قويّا في الصومال وإثيوبيا عبر المساعدات والاستثمارات والتدريب العسكري. هذا المزج بين القوة الناعمة والصلبة والاقتصادية جعلها قوة وسطية تقدم نفسها بديلاً عن القوى التقليدية. وفي قلب هذا النموذج تقع العلاقات التركية – العربية، التي شهدت تحولات حادة. من ناحية، هناك مصالح اقتصادية متشابكة: الاقتصاد التركي يحتاج إلى الاستثمارات الخليجية، والأسواق العربية حيوية لصادراته. ومن ناحية أخرى، هناك تحديات سياسية وأيديولوجية، أبرزها الملف السوري والعلاقة مع الإخوان المسلمين.
في السنوات الأخيرة اتجهت أنقرة إلى المصالحة مع خصومها السابقين، فأعادت العلاقات مع السعودية والإمارات، وبدأت الانفتاح على مصر. هذه التحولات تعكس براغماتية جديدة: تركيا تحتاج إلى الاستثمارات والسياحة العربية، والدول الخليجية ترى في تركيا قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. لكن يبقى السؤال: هل يمكن أن تتحول هذه المصالح المؤقتة إلى شراكة إستراتيجية ثابتة، أم ستظل العلاقة محكومة بمنطق الوسيط والزبون؟
هل تستطيع أنقرة أن تحافظ على هذا الدور وسط عالم متعدد الأقطاب؟ هل يمكنها أن تبني تحالفات مستدامة لا تقوم فقط على المصالح المؤقتة؟ وهل يمكن للعالم العربي أن يتعامل مع تركيا الجديدة بوصفها شريكًا لا مجرد منافس؟
استضافة تركيا لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP31) في نوفمبر – تشرين الثاني المقبل، بحضور نحو 196 من قادة العالم، ليست مجرد حدث بيئي، بل هي إعلان عن تحول تركيا إلى مركز عالمي للدبلوماسية المناخية. أنقرة شاركت مساهمتها المحددة وطنيّا والمحدثة، التي تحدد أهداف خفض استخدام الوقود الأحفوري وأهداف الطاقة المتجددة، وتسعى إلى جذب التمويل الدولي لقطاعي الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء. هذا الحضور في ملف المناخ يعكس رغبة تركيا في تنويع أدوات قوتها، والانتقال من دور الوسيط السياسي إلى دور الفاعل في القضايا الكونية.
لكن هذا النجاح لا يخلو من مخاطر. فدور الوسيط يحتاج إلى ثقة جميع الأطراف، وهو أمر صعب، كما أن الاعتماد على شخصية الرئيس أردوغان وعلاقاته يجعل هذه الدبلوماسية هشة أمام أي تغير داخلي أو إقليمي. تركيا اليوم تلعب على حبل رفيع، توازن بين روسيا والغرب، بين إيران والخليج، وبين القومية والإسلاموية داخليّا. هذا التوازن يمنحها مرونة، لكنه يفرض تكاليف باهظة، ويثير شكوكا حول موثوقيتها.
في هذا السياق، يمكن قراءة جدول تركيا الدبلوماسي لعام 2026 ليس بوصفه تتويجًا لمسار سياسي ناجح فحسب، بل بوصفه اختبارًا لنموذج الوسيط البراغماتي. هل تستطيع أنقرة أن تحافظ على هذا الدور وسط عالم متعدد الأقطاب؟ هل يمكنها أن تبني تحالفات مستدامة لا تقوم فقط على المصالح المؤقتة؟ وهل يمكن للعالم العربي أن يتعامل مع تركيا الجديدة بوصفها شريكًا لا مجرد منافس؟
الدرس الأهم من النموذج التركي هو أن القوة اليوم لا تقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الثروات، بل بقدرة الدولة على التكيف وخلق الفرص من داخل الأزمات، وعلى التوازن فوق حبال السياسة الدولية. هذه هي الدبلوماسية التي تمارسها أنقرة اليوم، وهذه هي الخلفية التي تبرّر حضورها الدولي في عام 2026. لقد تخلّت عن أحلام الهيمنة، وتبنت دورًا أكثر واقعية، يقوم على إدارة التعقيدات وتقديم نفسها كقوة وسطية، قادرة على أن تكون جسرًا بين المتناقضات، ومركزًا للحوار في زمن الانقسام.




