تركيا تنشّط وساطتها: لعدم الانجرار خلف خطط إسرائيل

كتب محمد نورالدين, في الأخبار:
تحاول تركيا لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران وسط تصاعد التوتّر، ساعيةً إلى منع حرب ترى أنها ستُغرق المنطقة في فوضى وتُعزّز الهيمنة الإسرائيلية.
مع تصاعد التوتّر بين واشنطن وطهران، تدأب أنقرة، على المستوى الرسمي، على الدعوة إلى تلافي الحرب بين البلدَين، وحلّ المشكلات بطرق سلمية. أما على المستوى غير الرسمي، فتتباين المواقف بين قائل إن إسقاط النظام في إيران سيفسح في المجال أمام انفراد تركيا بمركز القوة الأولى في المنطقة، المواجِهة للقوة الإسرائيلية؛ وبين محذّر من مخاطر عدم الحسم وانتشار الفوضى الذي سوف يؤذي تركيا ويفتح المنطقة أمام تهديدات كثيرة غير واضحة.
في هذا المناخ، أعلن إردوغان، أمام نواب حزب «العدالة والتنمية»، قبل يومين، أن «أمن إيران واستقرارها مهمان بالنسبة إلينا. ونسعى جاهدين إلى حلّ هذه القضية سلمياً وعبر الحوار، من دون التسبّب بحرب جديدة». ومن ثمّ أجرى اتصالاً بالرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، مبدياً استعداد بلاده للتوسّط بين الجانبَين الأميركي والإيراني. وفي أثناء أقل من أسبوع، كان إردوغان يتحدّث هاتفياً مع ترامب ويعرض عليه التوسّط، بل إجراء لقاء عبر الفيديو يضمّهما إلى الرئيس الإيراني. وبلغت محاولات التوسّط ودرء العدوانية الأميركية، ذروتها مع زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، إلى تركيا، ولقائه نظيره التركي، هاكان فيدان، كما إردوغان.
وأكّد فيدان، في مؤتمر صحافي مشترك مع عراقجي، أن «السلام والاستقرار في إيران ضروريان لتركيا والمنطقة». واعتبر أن «خمود الاحتجاجات في إيران أمر جيد»، معرباً عن الأمل في أن تُحلّ مسائل إيران الداخلية من دون تدخّلات خارجية. ورأى أن «بدء الحوار بين طهران وواشنطن أمر حيوي. كما يجب رفع العقوبات عن إيران لتتمكّن من الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي. وهذا مفيد لكلّ الأطراف». كما اتهم إسرائيل بأنها تحرّض الولايات المتحدة على العدوان على إيران، معرباً عن أمله في «ألّا تنجر أميركا إلى خطط إسرائيل لتخريب المنطقة».
أنقرة تأمل ألّا تنجر أميركا إلى خطط إسرائيل لتخريب المنطقة
بدوره، قال عراقجي إن «تركيا دائماً ما كانت تقف إلى جانب إيران»، مضيفاً أن «طهران ترفض الإملاءات الخارجية. والولايات المتحدة لم تُظهر حسن نية في المفاوضات، ومع ذلك فإن ايران مستعدة لعملية ديبلوماسية منصفة ومنطقية وعادلة. على أميركا التخلّي عن التهديدات. فإيران لم تكن تسعى أبداً إلى امتلاك سلاح نووي».
ويأمل الإيرانيون في أن ينجح الأتراك في إقناع ترامب بسلوك طريق الحوار، وذلك انطلاقاً من أن تركيا تبقى حاجة ماسّة إلى الولايات المتحدة في هذه المرحلة خصوصاً، في سوريا والقوقاز وربما في العراق، ويمكن لترامب أن يوليها أذناً مصغية. ولكن هل تنجح أنقرة في مسعاها؟ لا يذهب عراقجي إلى أنقرة مستنجداً، بل للتحذير من عواقب أيّ عدوان أميركي على بلاده، على مجمل استقرار المنطقة من القوقاز إلى الشرق الأوسط. وهو ما دفع حتى آذربيجان، على سبيل المثال، إلى إصدار بيان تعلن فيه أنها لن تسمح باتخاذ أراضيها منصّة أو ممرّاً للعدوان على إيران، وكذلك فعلت الإمارات؛ وهو أمر ينسحب على تركيا أيضاً.
وفي الواقع، بذلت تركيا ولا تزال جهوداً ملموسة لمنع انفجار الحرب. ويقول الكاتب المعروف، مراد يتكين، إن «تركيا لا ترغب في رؤية هجوم أميركي بأمر إسرائيلي على جارتها إيران»، مضيفاً أن «أنقرة تدرك جيداً أن التهديدات المتبادلة عالية جداً، حيث يهدّد ترامب بتوجيه ضربة شديدة إلى إيران، فيما يحذّر المرشد الإيراني، علي الخامنئي، من أنه سيرد بطريقة تجعل الرئيس الأميركي يندم على فعلته». ويرى الكاتب أن «شروط الولايات المتحدة التي تتمثّل في وقف البرنامج النووي، وتحديد البرنامج الصاروخي، ووقف دعم حلفاء طهران في غزة ولبنان واليمن، كلها مطالب إسرائيلية»، متسائلاً عن أنه «إذا كانت المطالب إسرائيلية، فهل أمام تركيا فرصة لنجاح وساطتها؟»، ليجيب بأن «كون ترامب طرفاً في المشكلة فكل شيء وارد. فأمر وقف العدوان مرتبط بما سيحصل عليه ترامب من طهران». ويضيف أن «محاولة منع ترامب من العدوان، لا تعني دفاع تركيا عن نظام رجال الدين في طهران، ولكنها ستكون رسالة تركية بأن سياسة ترامب الاستبدادية في العالم، لا يمكن أن تكون سهلة التحقّق». ويتابع أن «أهمية العمل على منع انتشار الحريق في جوار تركيا، هي بقدر أهمية تحقيق السلام الداخلي في تركيا عبر حل المشكلة الكردية».
ويعتقد الكاتب في صحيفة «جمهورييات»، أورخان بورصه لي، بدوره، أن «أي هجوم على إيران سوف يؤدي إلى تغيير جذري في المنطقة». ويشير إلى أن «إعادة تنظيم السلطة في سوريا كانت سهلة، ولكن تغيير النظام في إيران أمر مختلف تماماً»، معتبراً أن «على تركيا أن تشعر بقلق بالغ وألّا تلتزم الصمت وتراقب عن بعد ما سيحدث. فالقوة الرئيسة التي تعمل على تدمير إيران هي إسرائيل. وفي حال نجحت في ذلك، فإنها ستصبح القوة المهيمنة في المنطقة». ويدعو الكاتب إردوغان إلى «توظيف علاقاته الشخصية مع ترامب للتوسّط ومنع نشوب الحرب. وفي ضوء نتائج مثل هذه الوساطة، سنرى إن كانت العلاقة الشخصية فعلاً جيدة أم سيئة بينهما، أم هي من طرف واحد».
أما الكاتب عبد القادر سيلفي، المقرب من إردوغان، فيرى أن «هدف الضغوط الأميركية استبدال الخامنئي بشخصية معتدلة». ويعتقد أن «الضربة الأميركية حتمية وستحصل قبل بدء شهر رمضان، وإلا فستؤجّل إلى ما بعده»، معتبراً أن «أي هجوم على إيران يعني انتصاراً لإسرائيل وجرّ المنطقة إلى فوضى عارمة».




