بين محاصصة السُّلطة وازدواجية السلاح: أزمة حكومة نواف سلام من الداخل

كتب المحامي يوسف بهاء الدويهي:
تتقدّم حكومة نواف سلام إلى المشهد بوصفها حكومة ائتلافية تستند إلى أكثرية برلمانية وازنة، لكنّ هذه الأكثرية تبقى عددية أكثر منها سياسية أو إصلاحية. فالائتلاف الذي نشأ حولها لم يُبنَ على برنامجٍ واضحٍ أو رؤيةٍ مشتركة، بل على توازناتٍ دقيقة ومحاصصةٍ محسوبة أعادت إنتاج منطق تقاسُم النفوذ داخل مؤسسات الدولة. وهكذا تحوّل العمل الحكومي إلى مساحةٍ لتبادُل المكاسب أكثر ممّا أصبح إطارًا لمعالجةٍ جدّية للأزمة.
وتتصرّف القوى المشاركة بذهنيةٍ مزدوجة تكشف عمق الاختلال داخل الحكومة. فهي شريكةٌ في التعيينات وتمسك بوزاراتٍ أساسية، لكنها في الوقت نفسه تعتمد خطابًا نقديًّا مرتفع النبرة، وكأنّها خارج السلطة لا في صلبها. هذا السلوك يفرغ المسؤولية الوزارية من مضمونها الدستوري، ويحوّل الحكومة إلى تجمّع مصالح لا إلى جسمٍ تنفيذيٍّ منسجم، إذ يتقدّم منطق التملّص على منطق التحمُّل، ويتحوّل كلّ طرفٍ إلى شريكٍ حين يحصد المكاسب و«معارِض» حين يظهر التقصير.
وفي خضمّ هذا المشهد، يصبح من الظلم تحميل رئيس الجمهورية مسؤولية الإخفاق وحده. فالرئيس، في مرحلة ما بعد الطائف، لا يمتلك صلاحياتٍ تنفيذية تخوّله فرض سياساتٍ أو إرغام الحكومة على مساراتٍ معيّنة، بل يتمثّل دوره في ضمان انتظام عمل المؤسسات واحترام الدستور. أمّا المسؤولية التنفيذية الفعلية فتقع على مجلس الوزراء مجتمعًا والكتل البرلمانية التي منحته الثقة. ومع ذلك، تلجأ بعض القوى السياسية إلى استخدام موقع الرئاسة كمساحةٍ لتنفيس الاحتقان، فتُسنِدُ إليه ما لا يَسنده النص الدستوري، فقط لإبعاد الأنظار عن تقصير الشركاء الفعليين في الحكم.
غير أنّ المعضلة الأعمق تتجاوز مسألة الصلاحيات إلى صلب البنية السياسية للائتلاف نفسه، ولا سيّما في الملف السيادي. فإذا استمرّ أيُّ طرفٍ داخل الحكومة — وعلى رأسهم حزب الله — في رفض الالتزام بحصريّة السلاح بيد الدولة وعدم الخضوع للقرارات الوطنية والدولية الصادرة عن الشرعية، فإنّ بقاء هذا الائتلاف يفقد أساسه السياسي والدستوري. فلا يمكن لحكومةٍ واحدةٍ أن تجمع بين مشروعين متناقضين: مشروعِ دولةٍ تلتزم الدستور والمؤسسات والقانون، ومشروعٍ عسكريٍّ موازٍ يضع قراره فوق القرار الوطني.
من هنا، يصبح الضغط السياسي عبر إعادة صياغة شروط الشراكة الحكومية أو حتى فضّها مع الطرف الرافض لمنطق الدولة خيارًا مشروعًا وضرورةً وطنية. ليس بهدف القطيعة، بل بهدف وضع سقفٍ واضحٍ: إمّا السير نحو تسليم السلاح إلى الدولة وتثبيت سيادتها، وإمّا تحمُّل مسؤولية الخروج من ائتلافٍ لا يمكن أن يستمرّ على تناقضٍ وجوديٍّ في الهوية والوظيفة. فالاستمرار في حكومةٍ لا تتشارك رؤيةً موحّدة حول أسس السيادة إنّما يعمّق الشلل ويمنع أيّ إمكانيةٍ جدّية للإنقاذ.
إنّ الأزمة ليست أزمةَ أشخاصٍ ولا أزمةَ مواقع، بل أزمةَ مشروعِ حكم. وما لم يُعَد بناء القرار التنفيذي على قاعدة الانسجام بين مكوّنات الحكومة واحترام منطق الدولة، ستظلّ السُّلطة التنفيذية محكومةً بمعادلةٍ هشّة، يتقدّم فيها الصوت المرتفع على الفعل، والمكاسب على القانون، والازدواجية على الشراكة الحقيقية.




