بين “السويس” و”هرمز”

د. عاطف عبدالله – بوابة الأهرام:
تدخل الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران لحظتها الأكثر حساسية اقتصاديًا في ظل تصاعد حالة عدم اليقين واتساع نطاق السيناريوهات المحتملة. فالصراع لا يُقرأ فقط باعتباره مواجهة عسكرية، بل باعتباره اختبارًا لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة جديدة تمس شرايين الطاقة والتجارة في آن واحد. ومع كل يوم يمر، تتزايد المخاوف من انعكاسات محتملة على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وتكاليف الغذاء، ومعدلات التضخم، وهو ما يعيد طرح سؤال الاستقرار في اقتصاد دولي لم يتعافَ بالكامل من صدمات متتالية منذ الجائحة عام 2020.
الاقتصادات المنفتحة، بحكم اندماجها في حركة التجارة وتدفقات رؤوس الأموال، تظل الأكثر تعرضًا لارتدادات التوترات الجيوسياسية. وفي الحالة المصرية، تتقاطع المخاطر عبر قناتين استراتيجيتين: قناة السويس من جهة، ومضيق هرمز من جهة أخرى، بما يجعل التأثير مزدوجًا بين ضغوط مباشرة على مصادر النقد الأجنبي، وأخرى غير مباشرة عبر فاتورة الواردات والطاقة.
مرونة سعر الصرف
في سوق الصرف، انعكس التصعيد الإقليمي سريعًا على أداء الجنيه أمام الدولار، مدفوعًا بتخفيض بعض المستثمرين الأجانب لأوزانهم في أدوات الدين المحلية. غير أن ما يجري حتى الآن يبدو أقرب إلى إعادة تموضع استثماري تحوطي منه إلى انسحاب شامل. لكن استمرار الحرب لفترة أطول قد يغير المعادلة، خاصة إذا ترافق مع ارتفاع أسعار النفط أو تراجع إيرادات قناة السويس أو تعطل سلاسل الإمداد. وهنا يظهر اختبار حقيقي لمرونة سعر الصرف وقدرة الاقتصاد على امتصاص صدمة خارجية جديدة في بيئة عالمية مضطربة.
سلاسل الإمداد
غير أن المخاطر لا تقف عند حدود حركة رؤوس الأموال. فتعطل الشحن الجوي والبحري يحمل في طياته تداعيات أوسع على التجارة العالمية. أي اضطراب في خطوط الملاحة أو إغلاق للمجالات الجوية ينعكس مباشرة على تدفق الصادرات، ولا سيما الحاصلات الزراعية الطازجة التي تعتمد على عامل الزمن للوصول إلى أسواق الخليج. كما أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين قد يتسلل سريعًا إلى الأسعار المحلية، ليغذي موجة تضخم مستوردة في وقت لا تزال فيه الاقتصادات الناشئة تحاول تثبيت توقعات الأسعار.
أمن الطاقة
في قطاع الطاقة، فرض توقف تدفقات الغاز من شرق المتوسط إعادة ترتيب للأولويات. تحوّلت بوصلة الإمداد نحو تأمين الاحتياجات الداخلية وضمان استقرار الشبكة القومية للكهرباء، ولو على حساب كميات مخصصة للتصدير. هذا التحول يعكس منطق إدارة المخاطر في أوقات الأزمات، حيث يصبح الأمن الطاقوي أولوية تتقدم على اعتبارات العائد التصديري، خاصة إذا ما ارتفعت أسعار الغاز عالميًا وازدادت المنافسة على الشحنات المتاحة.
شريان التجارة العالمية
أما قناة السويس، التي تمثل ركيزة أساسية للتجارة العالمية وللاقتصاد المصري، فقد عادت إلى دائرة القلق بعد أن كانت مؤشرات التعافي قد بدأت في الظهور. إعلان شركات شحن كبرى مثل AP Moller Maersk وHapag-Lloyd وCMA CGM إعادة توجيه بعض خطوطها بعيدًا عن القناة يعكس حساسية الأسواق لأي تهديد محتمل في البحر الأحمر. وإذا استمرت هذه التحولات، فإن الضغوط على إيرادات القناة قد تتجدد، ما يضاعف أثر صدمة الطاقة وسوق الصرف في آن واحد.
مسار النفط
لكن العقدة الأخطر تبقى في مضيق هرمز، الممر الذي يعبر من خلاله نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا. أي إغلاق فعلي أو تعطيل طويل الأمد لهذا الشريان الحيوي قد يقفز بأسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، وهو سيناريو تدعمه تقديرات مؤسسات بحثية بينها Bloomberg Economics، التي تشير إلى أن إغلاقًا واسع النطاق قد يرفع الأسعار بنسب حادة، بما يغذي موجة تضخم عالمية جديدة ويضغط على النمو. كما أن تقديرات JPMorgan Chase حول قدرات التخزين المتاحة في الخليج توضح أن هامش المناورة محدود زمنيًا، ما يجعل استمرار التعطل عاملًا حاسمًا في تحديد مسار السوق.
ولا يقتصر التأثير المحتمل على النفط فحسب، بل يمتد إلى سوق الأسمدة، إذ يمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من تجارتها العالمية. وفي ظل ارتفاع أسعارها بالفعل، فإن أي اضطراب إضافي قد يرفع تكاليف الإنتاج الزراعي عالميًا، لينتقل الضغط من أسواق الطاقة إلى أسواق الغذاء، ويعيد تشكيل خريطة التضخم في العديد من الدول المستوردة.
تحصين الاقتصادات
بين السويس وهرمز، تتشكل معادلة اقتصادية معقدة تتداخل فيها الجغرافيا بالأسواق والسياسة بالمال. فإذا كان السيناريو القصير قد يعني صدمة عابرة قابلة للاحتواء، فإن الصراع الممتد قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو. وفي هذا السياق، تصبح إدارة المخاطر، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، عناصر أساسية في تحصين الاقتصادات من تداعيات صراع قد تتجاوز حدوده الإقليمية ليعيد رسم توازنات الاقتصاد العالمي بأسره.




