خاصأبرزرأي

باريس تتحرك لاحتواء النار

حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

تتحرك الدبلوماسية الفرنسية في أكثر من اتجاه في محاولة لاحتواء التصعيد العسكري المتسارع على الساحة اللبنانية، في ظل المخاوف المتزايدة من تصعيد إسرائيل للحرب، التي ستكون تداعياتها كارثية على لبنان والمنطقة. فباريس، التي تتابع بقلق تطورات الميدان، كثّفت اتصالاتها السياسية والدبلوماسية على أعلى المستويات، واضعةً ثقلها الدولي في محاولة لتبريد الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية ومنع تفلّت الأمور من عقالها.

في هذا السياق، يقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحركاً نشطاً يقوم على شبكة واسعة من الاتصالات مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في مسار الأحداث، ولا يكاد يمر يوم من دون أن يجري اتصالات مع قادة دول معنيين بالأزمة، في محاولة لتقريب وجهات النظر والدفع نحو خفض التصعيد. كما يواكب هذه الجهود تحرك موازٍ لوزارة الخارجية الفرنسية، التي كثّفت بدورها الاتصالات الدبلوماسية مع مختلف الأطراف، في إطار مسعى متواصل لمنع توسع رقعة الحرب.

وهذا التحرك الفرنسي، في تقدير مصادر سياسية، لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل يعكس أيضاً إدراك باريس لحساسية الوضع اللبناني وتعقيداته. فلبنان يقف اليوم أمام مفترق دقيق، حيث تتداخل فيه العوامل العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي يعانيها البلد منذ سنوات، وأي توسع في الحرب قد يدفع البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة، سواء على المستوى الأمني أو الإنساني.

وتنطلق المقاربة الفرنسية، بحسب المصادر، من قناعة بأن احتواء التصعيد في لبنان يتطلب جهداً دولياً منسقاً، نظراً إلى طبيعة التوازنات الإقليمية التي تحكم مسار المواجهة. لذلك تعمل باريس على التواصل مع القوى المؤثرة على إسرائيل، وكذلك مع الجهات القادرة على التأثير في قرار “حزب الله”، بهدف خلق مناخ سياسي يسمح بخفض التوتر.

وتؤكد المصادر أن هذا التحرك يعكس رغبة فرنسية في الحفاظ على دورها التقليدي في لبنان، حيث لطالما شكّلت باريس أحد أبرز الداعمين لاستقراره السياسي والمؤسساتي. فمنذ اندلاع الأزمات المتلاحقة في البلاد، حاولت فرنسا لعب دور الوسيط والمسهّل للحلول، سواء على مستوى الاستحقاقات السياسية أو في إدارة الأزمات الطارئة.

غير أن التحرك الفرنسي يواجه تحديات معقدة، أبرزها طبيعة الصراع الدائر في المنطقة، والذي يتجاوز في أبعاده الساحة اللبنانية. فالتوتر القائم مرتبط بسلسلة من الملفات الإقليمية المتشابكة، ما يجعل أي محاولة لاحتواء التصعيد في لبنان مرتبطة أيضاً بمسار التطورات الأوسع في المنطقة، لا سيما في ما يتعلق بالحرب الأميركية ـ الإيرانية.

ومع ذلك، تراهن باريس، وفق المصادر السياسية، على أن الدبلوماسية لا تزال قادرة على فتح نافذة للتهدئة، خصوصاً إذا ترافقت الضغوط السياسية مع إدراك جميع الأطراف لحجم المخاطر التي قد تنجم عن استمرار هذه الحرب. فالتجارب السابقة أظهرت أن الانفجار العسكري في لبنان لا يبقى محصوراً ضمن حدوده، بل سرعان ما يتحول إلى أزمة إقليمية واسعة.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الدبلوماسية الفرنسية كأنها تتحرك على خط رفيع بين محاولة منع الانفجار والحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف. فباريس تدرك أن نجاح جهودها ليس مضموناً بالكامل، لكنها، في الوقت نفسه، تعتبر أن استمرار الضغط الدبلوماسي يشكّل أحد السبل القليلة المتاحة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة غير محسوبة.

ومع تصاعد المخاوف من توسع دائرة الحرب، يظل الرهان على التحركات الدولية، وفي مقدمتها الجهد الفرنسي، قائماً على أمل أن تنجح هذه المساعي في كبح التصعيد وإعادة فتح الباب أمام الحلول السياسية، بما يجنّب لبنان، مرةً جديدةً، كلفة حرب مدمرة لا يحتملها في ظل أزماته المتراكمة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى