انتفاضة «الأطراف» الأنجلوساكسونية: لندن وأوتاوا تتحصّنان خلف «سور الصين»

كتب سعيد محمد, في الأخبار:
يعيش التحالف الأنجلوساكسوني منعطفاً تاريخيّاً حرجاً، مع دفْع الفاشية الأميركية المتوحشة، حلفاء واشنطن في لندن وأوتاوا نحو الشراكة مع بكين، سعياً إلى حماية سيادتهم أمام طموحات ترامب التوسعيّة.
تعيش العلاقات عبر الأطلسي، وتحديداً داخل النواة الأنجلوساكسونية الصلبة، مرحلة إعادة تشكُّل قد تكون تاريخية. فمع تصاعُد السياسات الأميركية ذات الطابع «الاستحواذي» تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، اختارت العواصم الحليفة (لندن وأوتاوا) مغادرة مربّع التبعية التقليدية، وتبنّي استراتيجيات «دفاعية» تضمن بقاء مصالحها الاقتصادية والسيادية. معالم هذا الشقاق ظهرت جليّة في مداولات مجلس العموم في لندن، مروراً بأروقة دافوس، وصولاً إلى القرارات السيادية البريطانية والكندية بفتح الأبواب أمام النفوذ الصيني، كمعادل موضوعي للضغط الأميركي.
وشكّل قصر وستمنستر، مقر البرلمان الإنكليزي، أمس، مسرحاً لمشهد سياسي يكاد يكون غير مسبوقٍ؛ حيث وقف رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، أمام نواب الشعب ليؤكّد «صمود» المملكة المتحدة أمام التهديدات الجمركية الأميركية المتعلّقة بملف غرينلاند. وفي ردّه على استجواب زعيمة المعارضة، كيمي بادينوك (حزب المحافظين)، اعتمد ستارمر لغة «التحدّي» و«الإصرار»، معلناً التزام حكومته المبدئي بسيادة غرينلاند، وحقّ سكانها ومملكة الدنمارك الحصري في تقرير مصيرهم، بعيداً من منطق الصفقات العقارية الدولية.
وربط رئيس الوزراء بين التصعيد الأميركي المفاجئ تجاه اتفاقية «جزر تشاغوس»، وبين الأطماع في القطب الشمالي، قائلاً إن وصف ترامب لاتفاقية تسليم تشاغوس بـ«الغباء العظيم» – بعد دعمه السابق لها -، يعتبر مناورة مكشوفة تهدف إلى ابتزاز لندن، وإجبارها على التنازل في ملف غرينلاند. وأمام هذا «الإكراه» الاقتصادي والسياسي، أعلن ستارمر استمرار بريطانيا في نهجها «المستقلّ»، مفضّلاً – وفق قوله – مسار «المشاركة البنّاءة» الندّية على الرضوخ للتهديدات. وتأتي هذه المواجهة في ظلّ ظروف اقتصادية داخلية ضاغطة، حيث أظهرت بيانات «مكتب الإحصاء الوطني» الصادرة، صباح أمس، ارتفاع معدّلات التضخّم إلى 3.4%، ممّا يضيف أعباءً جديدة إلى كاهل الحكومة والطبقات العاملة، ويعقّد حسابات المواجهة الاقتصادية مع واشنطن.
وفي سياق متّصل بتوتّر العلاقات، يواجه ستارمر اختباراً دقيقاً آخر يتمثّل في دعوة الرئيس الأميركي له للانضمام إلى ما يسمّى «مجلس السلام» في غزة. وتشير المعطيات الواردة من «داونينغ ستريت» إلى اتّجاه بريطانيا نحو «الامتناع» عن الالتحاق بهذه الهيئة الجديدة، لسببَين جوهريَّين: أولهما، التحفّظ الشديد على «رسوم العضوية» الباهظة التي اشترطها ترامب للحصول على مقعد دائم، والبالغة مليار دولار، والتي ترى لندن فيها إرهاقاً غير مبرّر للخزانة العامة وأموال دافعي الضرائب، مفضّلة توجيه الموارد إلى الأولويات الخدمية الداخلية؛ وثانيهما، ما يمثّله وجود الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كعضو محتمل في المجلس، من حرج سياسي بالغ للحكومة البريطانية بعد سنوات من شيطنة ممنهجة لكلّ ما هو روسي.
تجد الطبقات الحاكمة ونخب المال في بريطانيا وكندا نفسها أمام تهديد وجودي
وفي موازاة «معركة غرينلاند»، اتّخذت لندن خطوة عملية لكسر الطوق الأميركي عبر تعزيز شراكتها مع الصين، مع منح الحكومة البريطانية الموافقة النهائية لبكين لتشييد سفارة ضخمة لها في موقع «رويال مينت كورت» التاريخي، بمحاذاة جسر البرج وقلب لندن المالي. ويُعدّ هذا القرار تجاوزاً صريحاً للتحذيرات الأميركية المتكرّرة، والمستندة إلى قرب الموقع من كابلات اتصالات حيوية وبنية تحتية رقمية حسّاسة، ما قد يجعله «بؤرة تجسّس». إلّا أن لندن، مستندة إلى تقييم أمني قدّمه مدير الاستخبارات الداخلية ومديرة مكاتب مراقبة الاتصالات الحكومية، قرّرت تغليب مصلحتها وتدشين مرحلة جديدة من التعاون مع الصين.
ويُقرأ هذا التوجّه، الذي يسبق زيارة مرتقبة لستارمر إلى بكين، كمحاولة من الرأسمالية البريطانية لتنويع خياراتها الاستراتيجية. ففي ظلّ التهديد الأميركي بفرض رسوم جمركية، يصبح جذب الاستثمارات الصينية وتسهيل التجارة مع بكين ضرورة حتمية لضمان استمرار الدورة الاقتصادية البريطانية، والحفاظ على موقع «السيتي» في لندن كمركز مالي عالمي، بعيداً من الارتهان الكلّي للقرارات الأميركية المتقلّبة.
وفي دافوس، حيث ينعقد «المنتدى الاقتصادي العالمي»، يتّخذ الشقاق الأنجلوساكسوني أبعاداً أكثر حدّة ووضوحاً، تجلّى بعضها في حضور وزيرة الخزانة البريطانية، راشيل ريفز، لتُوجِّه رسالة إلى المستثمرين مفادها بأن بريطانيا ترفض أن تكون «تابعة»، وتصرّ على حماية مصالحها التجارية.
لكن الحدث الأبرز تمثّل في «الانتفاضة» الكندية، مع إعلان رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في خطاب مفصلي، نهاية حقبة «السلام الأميركي (باكسأمريكانا)»، ودعوته القوى الوسطى إلى التكتُّل. وتجاوزت كندا الخطابة إلى الفعل، عبر إبرام اتفاقية شراكة استراتيجية مع الصين، سمحت بموجبها بدخول السيارات الكهربائية الصينية إلى أسواقها، في تحدٍّ مباشر للسياسات الحمائية الأميركية التي تسعى إلى عزل بكين.
ويبدو أن المسألة بدأت تتجاوز الخلافات الديبلوماسية الحدثية لتلامس جوهر التناقضات الطبقية والاقتصادية بين المركز والأطراف، وهي أقرب في سياقها الموضوعي إلى تجلّيات «أزمة بنيوية» تعصف بالنظام الرأسمالي الغربي في مرحلته الراهنة. إذ تمثّل سياسات الإدارة الأميركية الحالية تحوّلاً نوعيّاً نحو «رأسمالية افتراسية»، تعوّض بموجبها الولايات المتحدة تراجع معدلات الربحية وضغوط المنافسة الدولية الشرسة، عبر استنزاف الحلفاء والاستحواذ المباشر على مواردهم وأسواقهم، محوّلةً حلفاءها التقليديين من شركاء إلى مجال حيوي تجب السيطرة عليه.
في المقابل، تجد الطبقات الحاكمة ونخب المال في بريطانيا وكندا وغيرهما نفسها أمام تهديد وجودي؛ فالخضوع للمطالب الأميركية يعني تحوُّل هذه الدول إلى مجرّد أقاليم اقتصادية تابعة للشركات الأميركية، وفقدان برجوازياتها الوطنية لقرارها المستقلّ وقدرتها على مراكمة الأرباح. ولذا، فإن «صمود» ستارمر و«انتفاضة» كارني يشكّلان ردّ فعل دفاعي غريزي من جانب تلك الطبقات التي تقاتل للحفاظ على كيانها المستقلّ.




