رأي

انتشار مترامٍ ولامركزية متجذرة: قوات البرّ الإيرانية مستعدّة لأخذ دورها

حسن حيدر – الأخبار:

تشكّل القوات البرية العمود الفقري للدفاع الإيراني، مستندة إلى مزيج من الجيش النظامي و«الحرس الثوري» وقوات التعبئة. وبفضل الانتشار الواسع والتنظيم اللامركزي، تمثّل هذه القوات ركناً أساسياً في استراتيجية حماية البلاد.

في أيّ بنية عسكرية حديثة، تشكّل القوات البرية العنصر الأكثر ارتباطاً بالأرض وبالدفاع المباشر عن الحدود والسيادة الوطنية. وفي الحال الإيرانية، تكتسب هذه القوات أهمية مضاعفة نظراً إلى طبيعة الجغرافيا الواسعة للبلاد وتنوّع التهديدات المحيطة بها. ويعتمد الهيكل العسكري الإيراني على مزيج من القوات التقليدية ونظيرتها غير المتكافئة العاملة بعقيدة القتال غير المتكافئ؛ ويبرز في قلب هذا الهيكل الدور المحوري للتشكيلات البرية التابعة لكلّ من الجيش (أرتش) و»الحرس الثوري الإسلامي» (سپاه پاسداران انقلاب إسلامی).
وتتولّى القوات البرية في هاتين المؤسستَين مهام حماية الحدود وإدارة العمليات القتالية المباشرة ومواجهة أيّ تهديد برّي قد يستهدف البلاد. وبالنظر إلى الامتداد الجغرافي لإيران على مساحة 1,648,000 كيلومتر مربع، وحدودها الطويلة مع عدد كبير من الدول، فإن انتشار هذه القوات وتنظيمها يعدّان من العوامل الأساسية في استراتيجية الدفاع الوطني.

ويعدّ الجيش الإيراني أكبر تشكيل بري في البلاد من حيث العدد الذي يتجاوز 350 ألف جندي؛ ويتركّز دوره الأساسي في إدارة العمليات العسكرية التقليدية الواسعة النطاق، خصوصاً في حالات الحرب الكلاسيكية التي تتطلّب استخدام وحدات مدرّعة وميكانيكية ومدفعية ثقيلة. وتنتشر وحدات الجيش البرية على امتداد الحدود الإيرانية، وهي تشمل تشكيلات متعدّدة من الفرق المدرّعة والمشاة واللواءات الميكانيكية. كما تعتمد على شبكة من القواعد العسكرية المنتشرة في مختلف المحافظات، بما يسمح لها بالتحرك السريع نحو أيّ جبهة قد تشهد تصعيداً عسكرياً. وإلى جانب الدور الدفاعي المباشر، تضطلع القوات البرية في الجيش أيضاً بمهام تتعلّق بحماية البنية الاستراتيجية داخل البلاد، بما يشمل المنشآت الحيوية وخطوط الإمداد الرئيسة. كما تشارك في إدارة العمليات المشتركة مع القوات الجوية والبحرية عند الحاجة.

تنظيم القوات مصمّم ليضمن استمرار القدرة القتالية في حال تعرّض المراكز القيادية للضغط أو الاستهداف

فضلاً عن ذلك، تؤدي القوات البرية لـ»الحرس الثوري» دوراً محورياً في البنية الدفاعية الإيرانية، ولكن وفق مقاربة مختلفة تعتمد على الحرب غير المتكافئة والانتشار الواسع. ويُقدَّر عدد أفراد هذه القوات بما بين 120 و150 ألف عنصر، وتقوم عقيدتها على الجمع بين العمل العسكري التقليدي والقدرة على إدارة حروب مرنة تعتمد على الوحدات الصغيرة والانتشار السريع. وتنتشر تشكيلات «الحرس» البرية في مختلف المحافظات الإيرانية، حيث يتمّ تنظيمها في ألوية وفرق إقليمية قادرة على التحرك بسرعة في حال وقوع تهديد أمني أو عسكري.
ولعلّ إحدى سِمات قوات «الحرس» المميّزة، التنظيم اللامركزي؛ فلكلّ محافظة تقريباً لواء أو تشكيل عسكري متكامل، يضمّ عناصر من القوات البرية، إضافة إلى وحدات مساندة من الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والقدرات الصاروخية التكتيكية. وهذا يعني عملياً وجود ما يشبه 31 قوة عسكرية إقليمية متكاملة قادرة على العمل بصورة شبه مستقلّة، إذا ما انقطعت عن القيادة المركزية في ظروف الحرب. ويعكس هذا النمط التنظيمي فلسفة دفاعية قائمة على توزيع القوة بدلاً من تركيزها في مراكز محدودة، الأمر الذي يهدف إلى ضمان استمرار القدرة القتالية حتى في حال تعرّض البنية القيادية أو الاتصالات العسكرية لضغوط شديدة أو حتى استهدافات.

وتحظى الحدود الغربية لإيران، وهي المنطقة المحاذية لكردستان العراق، بأهمية خاصة في التخطيط العسكري، وذلك نظراً إلى حساسيتها الجيوسياسية وقربها من مناطق شهدت خلال السنوات الماضية توترات أمنية مختلفة. ولذا، تنتشر في تلك المنطقة تشكيلات بارزة من الحرس الثوري، أكبرها «لواء حمزة سيد الشهداء» الذي يعدّ من أهم القيادات الميدانية المسؤولة عن أمن الشمال الغربي للبلاد.
كما تنشط في هذه المنطقة وحدات أخرى من الحرس، من بينها تشكيلات من مثل «لواء علي بن أبي طالب»، تشارك في مهام حماية الحدود ومراقبة التحركات الأمنية في المناطق الجبلية والحدودية. وتشمل مهام الوحدات المشار إليها مراقبة الحدود، ومواجهة أيّ تسلّل محتمل، إضافة إلى التنسيق مع القوات الأخرى المنتشرة في المنطقة لضمان الاستجابة السريعة لأيّ تهديد.
وإلى جانب الجيش و»الحرس»، تشكّل «التعبئة» (سازمان باسیج مستضعفین) قوة احتياط شعبية واسعة يمكن استدعاؤها لدعم القوات البرية في حالات الطوارئ. وتنتشر هذه القوات في معظم المدن والبلدات الإيرانية، حيث تقوم بأدوار مساندة تشمل حماية المرافق العامة وتنظيم الدفاع المدني، ودعم العمليات اللوجستية. ورغم أن دور «الباسيج» ليس قتالياً بالمعنى التقليدي، إلا أن وجوده يوفر عمقاً مجتمعياً للبنية الدفاعية، ويسهم في تعزيز قدرة الدولة على تعبئة الموارد البشرية في حالات الأزمات الكبرى.
وفي ظلّ هذا الانتشار الواسع والتنظيم اللامركزي، يصبح من الصعب على أي قوة خارجية أن تفرض سيطرة سريعة على الأراضي الإيرانية أو أن تعتمد على اختراقات محدودة لتحقيق أهداف استراتيجية. فالقوات البرية، بحضورها الكثيف وتوزيعها الجغرافي المترامي، تبقى العامل الحاسم في معادلة الدفاع الوطني، والذي يراهَن عليه لإفشال أيّ خطط من ذلك النوع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى