اليابان وشراكة مصر الاقتصادية

كتب محمد صابرين في صحيفة بوابة الاهرام.
برزت اليابان مؤخرًا وشرق آسيا بوصفهما أحد أبرز شركاء مصر، وسلطت مراسم الاحتفال بافتتاح المتحف المصري الكبير مدى أهمية شراكة القاهرة وطوكيو على أرض الواقع. وكثيرة هي “العلامات البارزة” التي تجسد التعاون بين البلدين، من الجامعة المصرية اليابانية ومستشفى أبوالريش للأطفال، وصولًا للتعاون المصري الياباني في أفريقيا. وأحسب أن أرضية الثقة والعمل المشترك تؤهل لنقلة نوعية، والانتقال بالعلاقات لمستوى الشراكة “الإستراتيجية الشاملة” بين مصر واليابان. لقد حان الوقت لهذه الشراكة في ظل وجود أول رئيسة للوزراء في اليابان ساناى تاكايتشي، وتصاعد إدراك القوى الكبرى لأهمية مصر وموقعها وقدراتها، ودورها الذي لا غنى عنه في استقرار الشرق الأوسط.
ومما يعزز المضي بقوة نحو الشراكة الإستراتيجية الشاملة هو ترحيب اليابان بتوسيع التعاون مع مصر، فقد رحب كينچي يامادا، وزير الدولة للاقتصاد والتجارة والصناعة ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء الياباني، بتعزيز العلاقات مع مصر.
وأعرب السفير راجي الإتربي، سفير مصر لدى اليابان، خلال اجتماعه مع كينچي يامادا، عن التطلع للعمل معًا لتعزيز الشراكة الإستراتيجية بين مصر واليابان، خاصة في مجالات التنمية والاستثمار والتجارة والتعاون البرلماني. وسبق أن رحب رئيس وزراء اليابان السابق شيغيرو إيشيبا بعدد من مذكرات التفاهم المبرمة بين حكومتي البلدين والشركات المصرية اليابانية خلال مؤتمر تيكاد ٩. واقترح السيد إيشيبا أيضًا إنشاء إطار عمل، بقيادة الحكومتين، لدعم الاستثمار وتوسيع الأعمال، بناءً على الاهتمام الكبير الذي أبدته الشركات اليابانية في مؤتمر الاستثمار الذي عُقد في ١٩ أغسطس الماضي. علاوة على ذلك، صرح السيد إيشيبا بأن اليابان ستشجع البحث المشترك بين الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا والجامعات في اليابان وأفريقيا، بهدف تطوير الجامعة كمركز إقليمي. وأحسب أن ثمة ما يبرر الترتيب لجولة مهمة للقيادة المصرية إلى اليابان وشرق آسيا، وذلك للبناء على الأسس الراسخة لعلاقات القاهرة وطوكيو، والعواصم المهمة في شرق آسيا ودول مجموعة الآسيان.
وتمثل جولة إلى اليابان وشرق آسيا محطة سياسية-اقتصادية فارقة، ليس فقط من حيث ما تحمله من رسائل دبلوماسية عميقة، بل بما تفتحه من أبواب استراتيجية يمكن لمصر أن تعزز تواجدها في فضاء جديد من الشراكات التي تعيد رسم موقعها في الاقتصاد العالمي. فالشرق الآسيوي لم يعد مجرد جغرافيا بعيدة، بل أصبح مركز ثقل في التكنولوجيا والابتكار والصناعة المتقدمة، وهو ما يجعل الشراكة المصرية-اليابانية فرصة تتجاوز البروتوكولات إلى مشروع وطني قابل للبناء إذا أحسنّا قراءته واستثماره. فقد كشفت الأحداث الأخيرة أبعادًا سياسية واضحة تؤكد موقع مصر بوصفها الدولة المحورية في استقرار المنطقة، وتُبرز قدرة الدبلوماسية المصرية على الحفاظ على شبكة علاقات متوازنة مع قوى دولية كبرى مثل اليابان. ولا يخفى على أحد، بأن هذا البعد السياسي ليس هامشيًا، فهو يشكل أساسًا لأي تعاون اقتصادي طويل الأمد. فاليابان تنظر إلى مصر باعتبارها دولة مستقرة وسط منطقة مضطربة، وهذا الاعتبار يمنح مصر وزنًا تفاوضيًا ودعمًا دوليًا لا يمكن الاستهانة به.
لكن البعد الأهم يتمثل في ما تحمله الزيارة من إشارات اقتصادية واستشرافية. فاليابان ليست مجرد قوة صناعية، بل عقل معرفي متقدم في التكنولوجيا، المدن الذكية، الاقتصاد الرقمي، الطاقة المتجددة، والصناعات الدقيقة.
ومصر تمتلك اليوم رأس مال بشري شاب قادر على التعلم السريع والتكيف مع التحولات العالمية. الجمع بين التجربة اليابانية والانفتاح المصري يخلق مساحة تعاون يمكن أن تتحول إلى نموذج تنموي جديد يقوم على الابتكار والريادة والإنتاج، لا على الاقتصاد التقليدي القائم على الضرائب والجباية. إن ما قد يميز هذه الجولة أنها تأتي في لحظة إعادة تقييم البنية الاقتصادية المصرية والبحث عن شراكات تسمح بالانتقال من اقتصاد ينمو بوتيرة متوسطة إلى اقتصاد يفتح أبوابه أمام التكنولوجيا والاستثمار النوعي. فالسوق الآسيوية ليست مجرد بديل، بل فرصة لإعادة توجيه الاقتصاد الوطني نحو مسارات إنتاجية تُعزز القيمة المضافة، وخلق فرص عمل عالية المهارة، وتدمج مصر في سلاسل التوريد الحديثة التي باتت تشكل العمود الفقري لاقتصاد المستقبل.
ومصر قادرة، إذا ما وضعت خطة واقعية، على تحويل هذه اللحظة إلى نقطة تحول. فالأساس في ذلك أن تدرك الحكومة بأن العلاقات الدولية لا تتحول إلى مكاسب اقتصادية تلقائيًا، بل تحتاج إلى رؤية وبرامج ومتابعة. والرؤية يجب أن تنطلق من اختيار قطاعات محددة ذات قابلية للنمو بالتعاون مع الشركاء الآسيويين، مثل التكنولوجيا الرقمية، الأمن السيبراني، الطاقة البديلة، المياه، الصناعات الغذائية، والتصنيع الخفيف المرتبط بالابتكار. إذ أن هذه القطاعات يمكن أن تشكل قواعد إنتاجية جديدة قادرة على المنافسة إقليميًا إذا تمت إدارتها بكفاءة. كما يمكن لمصر أن تعظِّم استفادتها من الخبرات اليابانية في بناء منظومة تعليمية وتدريبية مرتبطة مباشرة بسوق العمل، خاصة في مجالات الهندسة والذكاء الاصطناعي والروبوتات.
فالاستثمار في الإنسان هو الطريق الأسرع والأقوى لبناء اقتصاد معرفي، واليابان تمتلك تاريخًا طويلًا في تحويل رأس المال البشري إلى محرك للنمو. وبذلك فيمكن التركيز أيضًا على مزيد من الربط بين الجامعات المصرية ونظيراتها اليابانية، وبين الشركات في البلدين، والذي بدوره سيخلق جسورًا معرفية تعزز مهارات الشباب وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة.
ومن الزاوية الاقتصادية البحتة، فإن البيئة الاستثمارية المصرية بحاجة إلى إعادة هيكلة تجعلها أكثر مرونة وجاذبية. اليابانيون لا يأتون إلى سوق غير واضحة القواعد ولا مستقرة الإجراءات. مما يتطلب دراسة متأنية لمنظومة التحديث التشريعي، وتبسيط الأنظمة، وتقليل البيروقراطية، وتخصيص مزيد من المناطق الاقتصادية المتخصصة الجاهزة لاستقبال الاستثمارات، حيث أن هذه العناصر ليست خيارات تجميلية، بل شروط أساسية لتحويل النوايا إلى مشاريع واقعية.
إن ما تحتاجه مصر اليوم بجانب الأحلام الكبيرة، هو خطة عمل دقيقة تستند إلى قدراتها الفعلية ومواردها البشرية وموقعها الجغرافي. وزيارة الرئيس السيسي لليابان سوف تُعطي الإطار السياسي والبوابة الدبلوماسية، لكن البناء الاقتصادي يتطلب البناء على جرأة القرار المصري في عهد الرئيس السيسي، ووضوحًا في الأولويات، وإدارة تنفيذية تعرف أن المستقبل يُصنع ولا يُنتظر.
ولتعزيز الشراكة الإستراتيجية بين مصر واليابان، يمكن التركيز على مجالات مثل الاستثمار في الاقتصاد الأخضر والبنية التحتية والطاقة المتجددة، وتعزيز التعاون في الصناعات التكنولوجية والسيارات، وتنمية قطاع التعليم الفني والسياحة، بالإضافة إلى تعزيز التبادل البرلماني ودعم جهود إعادة الإعمار في غزة.
وها هو الشرق الآسيوي يفتح الباب بقوة، ومصر قادرة على الدخول بثقة إذا اختارت بعناية الطريق الصحيح.




