رأي

اليابان و”حزبها الواحد”

كتب إميل باشا فالنسيا, في صحيفة “لوموند دبلوماتيك” الفرنسية:

“لوموند دبلوماتيك” تفيد بأن الحزب الليبرالي-الديمقراطي الياباني استطاع البقاء في الحكم لعقود لأنه حزب شديد البراغماتية يكاد يخلو من إيديولوجيا ثابتة.

أفادت صحيفة “لوموند دبلوماتيك” في تقرير، أن الجهة السياسية نفسها، أي الحزب الليبرالي–الديمقراطي الياباني، تقود البلاد بلا انقطاع منذ عام 1955، قائلة إن الازدهار الاقتصادي الذي جعل اليابان إحدى القِوى الاقتصادية الأربع الكبرى في العالم، والاصطفاف الحاسم إلى جانب الولايات المتحدة في حملتها المناهضة للشيوعية في شرق آسيا، وصولاً إلى العودة المتسارعة لمنطق الحرب الباردة بما يحمله من احتمالات مواجهة مباشرة مع الصين، جميعها سياسات ارتبطت بهذا الحزب الذي ظل ممسكاً بمفاصل الدولة لعقود.

وتنقل “لوموند دبلوماتيك” مشهداً من قلب طوكيو في إحدى أمسيات شهر تشرين الثاني/نوفمبر، حيث تحدّى نحو 100 شخص قسوة الشتاء وتجمعوا قرب مجمع “سوري كانتيه”، الذي يضم منذ عشرينيات القرن الماضي مكاتب وإقامة رؤساء الوزراء اليابانيين. ورفعت المجموعة الصغيرة لافتات كسرت قواعد اللياقة السياسية اليابانية التقليدية، جاء فيها: “تاكايتشي، استقيلي!”.

وتعود خلفية الاحتجاج، بحسب الصحيفة، إلى إعلان رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أمام مجلس النواب، أن اليابان ستعتبر أي تدخل عسكري صيني في تايوان “وضعاً حرجاً لمصالحها الحيوية”، ما يبرّر تدخل قوات الدفاع الذاتي اليابانية، وقد اعتبر المتظاهرون هذا الموقف استفزازاً خطيراً وغير ضروري، فيما لم يتأخر الرد الصيني.

وعلى الرغم من وجود المتظاهرين، تشير “لوموند دبلوماتيك” إلى أن الأسلوب المباشر والخط المتشدّد لأول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تاريخ اليابان يضعانها فوق عتبة 70% من الآراء الإيجابية وفق استطلاع نشرته صحيفة “يوميوري شيمبون” في كانون الأول/ديسمبر الماضي، أي أكثر من ضعف أعلى نسبة حققها سلفها شيغيرو إيشيبا.

وعقب استقالة إيشيبا في 7 أيلول/سبتمبر 2025، تولّت تاكايتشي رئاسة الحزب الليبرالي–الديمقراطي، قبل أن ينتخبها البرلمان “الدييت” رئيسة للسلطة التنفيذية في 21 تشرين الأول/أكتوبر.

وبفعل الدعم القوي الذي تحظى به من الرأي العام، قرّرت الدعوة إلى انتخابات مبكرة في شباط/فبراير هذا العام، سعياً لتعزيز أغلبيتها البرلمانية التي خرجت ضعيفة من الانتخابات التاريخية السيئة المسجّلة عام 2024.

وتلفت “لوموند دبلوماتيك” إلى أن الانتماء الحزبي الواحد المشترك بين إيشيبا وتاكايتشي لا يعني وحدتهما في الرؤية، فإن كلًّا منهما نقيض الآخر حين يتعلّق الأمر بالصين.

ففي حين كان إيشيبا يميل إلى التقارب، تسير تاكايتشي على خطى مرشدها السياسي شينزو آبي، الذي شغلت في عهده عدة مناصب وزارية قبل اغتياله في 8 تموز/يوليو 2022، وقد جسّد آبي قومية حنينية إلى أمجاد الإمبراطورية اليابانية، واشتهر بمحاولاته الالتفاف على المادة التاسعة من الدستور التي تحظر على اليابان خوض الحروب.

هل يمكن الدفاع عن الشيء ونقيضه داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي؟
وتطرح الصحيفة تساؤلاً مركزياً: كيف يمكن لحزب واحد أن يجمع بين الدعوة إلى التقارب مع الصين والاستعداد لمواجهتها عسكرياً؟ ويجيب الباحث الزائر في جامعة كيوتو، فلاديمير ماليك بسخرية، بأنه لفهم الخط الإيديولوجي للحزب يقتضي إدراك أنه يكاد يكون بلا إيديولوجيا، مشبهاً إياه بحزب افتراضي واحد في فرنسا يجمع كامل الطيف السياسي من سيباستيان لوكورنو إلى مارين لوبان.

ويرى عالم السياسة في جامعة واشنطن روبرت بيكانن، بحسب “لوموند دبلوماتيك”، أن هذه “المرونة الإيديولوجية” تفسر طول عمر الحزب، ففي سبعين عاماً من وجوده، لم يُحرم الحزب من السلطة سوى 4 سنوات، وقد بدت الديمقراطية اليابانية طويلاً وكأنها نظام حزب واحد، منظّم حول هذا القطب السياسي الغريب، المرن بقدر ما هو صامد.

عودة إلى جذور الحزب
وتعود الصحيفة إلى جذور الحزب في عام 1955، بعيد انسحاب قوات الاحتلال الأميركية التي احتلت اليابان بين عامي 1945 و1952، فمع تصاعد “التهديد الشيوعي” في كوريا والصين، تراجع المشروع الأميركي لتحويل اليابان إلى نموذج “ديمقراطي آسيوي”، وبرزت الحاجة إلى تحويلها إلى “حصن متقدّم” في مواجهة المعسكر الاشتراكي، رغم تحقيق الحزبين الشيوعي والاشتراكي نتائج جيدة.

وبدفع من الولايات المتحدة، تجاوز الحزبان المحافظان، الليبرالي والديمقراطي، خلافاتهما واتحدا، وأُسندت قيادة التنظيم الجديد إلى نوبوسوكي كيشي، المتهم بتنظيم العمل القسري خلال الحرب العالمية الثانية والمشتبه بارتكابه جرائم حرب من الفئة “أ”، والذي أطلقت سلطات الاحتلال الأميركية سراحه من دون محاكمة عام 1948، وهو جد شينزو آبي.

وتشير “لوموند دبلوماتيك” إلى أن بقاء حزب قومي محافظ، يعاني انقسامات حادة، لم يكن مضموناً حتى مع الدعم الأميركي، فقد أدّت مراجعة معاهدة التعاون والأمن المتبادل مع واشنطن (ANPO)، التي تمدّد إمكانية استخدام القوات الأميركية للأراضي اليابانية، إلى انتعاش يساري أطاح بكيشي عام 1960، كما كان يمكن للحزب أن ينهار، لكنه تحوّل بدلاً من ذلك.

ففي عهد هاياتو إيكيدا (1960–1964)، أعيد ضبط المسار السياسي عبر تهدئة الفصائل، وتوزيع المناصب لإرضاء الجميع، والتركيز على الاقتصاد خصوصاً، إذ حدّد الهدف بمضاعفة الناتج المحلي الإجمالي خلال 10 سنوات، وهو ما تحقق فعلياً خلال 7 سنوات، لتتحوّل التنمية الاقتصادية إلى محور الهوية اليابانية الجديدة، بدلاً من الطموحات العسكرية.

وترصد الصحيفة تشكّل تيارين رئيسيين داخل الحزب، الأول هو اليمين القومي المتشدد، المهتم بالهوية الوطنية، والمتحفظ على الهجرة، والداعي إلى تعديل المادة التاسعة من الدستور، وقد مثّله قادة مثل ياسوهيرو ناكاسوني، وجونيتشيرو كويزومي، وشينزو آبي.

أما التيار الثاني فيتمثل في المحافظين البراغماتيين، القريبين من نموذج “المحافظين ذوي الأمة الواحدة” في بريطانيا، الذين سعوا إلى إرضاء الفلاحين ورجال الأعمال والتجار الصغار، وكان من أبرز رموزهم كاكويي تاناكا، الذي فك عزلة المناطق الريفية عبر مشاريع ضخمة للبنية التحتية.

وبحسب بيكانن، فإن سياسة الإنفاق الواسع على البنية التحتية تفسر الانتصارات الانتخابية الكاسحة للحزب طوال القرن العشرين، فقد نشأ ما عُرف بـ”نظام الحزب الليبرالي–الديمقراطي”، حيث تتركز الإيرادات الضريبية بيد الدولة المركزية، ثم يُعاد توزيعها محلياً، ما جعل الانضمام إلى الحزب الطريق الأضمن للسياسيين للفوز بالانتخابات وإعادة انتخابهم.

ومن هنا تشكّل “المثلث الحديدي” الذي يربط السياسيين بالبيروقراطيين والشركات، وقفزت نفقات البناء بين الستينيات والثمانينيات إلى أكثر من 20% من ميزانية الدولة، مقارنة بـ5 إلى 7% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا.

وترى “لوموند دبلوماتيك” أن اتساع شبكة الطرق والقطارات اليابانية يرتبط جزئياً برغبة الحزب في البقاء بالسلطة.

أزمة التسعينيات
وتشير الصحيفة إلى أنه مع تراكم الفساد، وانفجار الفقاعة الاقتصادية في مطلع التسعينيات، وانتهاء الحرب الباردة، دخلت اليابان في ركود طويل ما زالت تعاني تداعياته حتى هذا العام.

وفي عام 1993، انشق نحو 30 نائباً وأسقطوا الحزب بتحالف مع المعارضة، غير أن الحكومة الجديدة انهارت بعد أقل من عام، ليعود الحزب الليبرالي–الديمقراطي سريعاً إلى السلطة متحالفاً مع حزب كوميتو، ليحكم البلاد 15 عاماً إضافية.

وتشير الصحيفة إلى أنه مع انهيار النموذج الاقتصادي القديم، تضرر عقد العمل مدى الحياة، ما دفع الحزب إلى تحويل خطابه من الازدهار الاقتصادي إلى “قيم اليابان ما قبل الحرب”، أي القومية والذاكرة التاريخية.

وفي عام 2009، خسر الحزب السلطة مجدداً بعد سلسلة فضائح وصراعات داخلية والأزمة المالية العالمية، لكنه عاد بعد 3 سنوات فقط، مؤكّداً هيمنة التيار القومي داخله، باستثناء فترات اعتدال قصيرة.

تولي تاكايتشي السلطة يعمّق الانزياح نحو اليمين
وتخلص “لوموند دبلوماتيك” إلى أن تولي ساناي تاكايتشي السلطة يعمّق الانزياح نحو اليمين، خصوصاً بعد إنهاء التحالف مع حزب “كوميتو” بسبب الخلاف حول المادة التاسعة من الدستور.

ويتزامن ذلك مع صعود حزب “سانسيتو” اليميني المتطرف، الذي تأسّس عام 2020 وقفز تمثيله البرلماني من مقعد واحد إلى 14 مقعداً في انتخابات 2025.

ويعتمد هذا التيار الجديد، كما الحزب الحاكم، على شبكات التواصل الاجتماعي لاستقطاب الشباب عبر خطاب قومي ومعادٍ للهجرة.

وبحسب بيكانن، فإن الناخب النموذجي لهذا الخطاب بات شاباً في الثلاثين من عمره يستهلك الأخبار عبر هاتفه الذكي، ويلاحظ باحثون أن جزءاً من الشباب الياباني بات يعتبر الشيوعيين “محافظين”، فيما يرى في اليمين قوة “تقدمية” بسبب استخدامه المكثف والذكي للإعلام الرقمي.

وفي هذا السياق، تثير تصريحات تاكايتشي الحادة غضب بكين، لكنها في الوقت نفسه تحظى بحماس فئات شابة داخل اليابان، غير أن منافسة اليمين المتطرف تدفع الحزب لترك الوسط السياسي الذي تشغله المعارضة الآن (حزب كوميتو والحزب الديمقراطي الدستوري)، آملة إنهاء حكمه.

وتختم “لوموند دبلوماتيك” بأن التاريخ يبين أن إسقاط الحزب الليبرالي–الديمقراطي من السلطة أمر ممكن، أما منعه من العودة إليها، فشيء آخر.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى