النهب ليس «بدعة» ترامبية: هكذا «أحبّت» أميركا كولومبيا

كتبت لينا بعلبكي, في الأخبار:
منذ عقود، تحوّلت كولومبيا إلى ساحة صراع تشابكت فيها حسابات النخب مع تدخلات أميركية بذريعة «مكافحة المخدرات» والنزاع المسلّح. غير أن جوهر الصراع ليس «أمنياً» وفق ما يجري تصديره، إنما هو صراع اجتماعي – سياسي عميق، تشابكت فيه مصالح رأس المال على حساب المجتمع.
«أنا أحب كولومبيا»؛ قالها رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، قبل مراسم قرعة «كأس العالم 2026»، التي أقيمت في 5 كانون الأول الماضي في واشنطن، من دون أن يتأخر في ترجمة هذا «الحب» بطريقة سامّة، شأنه في الواقع شأن أسلافه، وإن مع جرعة أعلى وأوضح من البلطجة. جاء ذلك في وقت كانت فيه العلاقات بين ساكن البيت الأبيض ونظيره الكولومبي، غوستافو بيترو، تزداد توتراً، قبل أن يستقبل ترامب هذا الأخير في الثالث من الشهر الحالي في واشنطن، في لقاءٍ وُصف بـ«الودّي». وبعيداً من التكهنات في شأن ما سيعقب هذه الزيارة من تقارب أو تباعد، لا سيما في ظلّ «الاستفاقة الدموية» الأميركية على الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، فإن الصورة لن تتّضح تماماً من دون العودة إلى ما حقّقته واشنطن بالفعل في الجمهورية الأنديزية التي تعدّ بوابة أميركا اللاتينية، وتشكّل صلة وصل بين أميركا الوسطى والجنوبية، والمحيط الهادئ والبحر الكاريبي.
في الواقع، ورغم ما يُتداول عن «إهمال» أميركي سابق للمنطقة، تؤكّد المعطيات التاريخية أن كولومبيا شكّلت نموذجاً لتعامل أميركي يتشابه إلى حدّ كبير مع تدخلات أميركية مثيلة في عدد لا يستهان به من دول العالم. على مدى عقود، تحوّلت بوغوتا إلى ساحة صراع تداخلت فيها حسابات النخب المحلية مع تدخلات أميركية تحت عنوان «مكافحة المخدرات» والنزاع المسلح، وتقاطعت مصالح القطاع العسكري مع مصالح شركات خاصة محلية وأجنبية، معبّرةً عن توجهات مجمّع عسكري – صناعي يستفيد من الحرب المستمرّة لتعزيز رأس المال.
وفي وقت دفع فيه المجتمع الكولومبي ثمناً متصاعداً من جراء هذه السياسات، حتى في أمنه، فإن جوهر الصراع لم يكن «أمنياً» وفق ما يجري تصديره، إنما هو في الأساس اجتماعي – سياسي. فالتفاوت الحادّ بين الطبقات، وتركيز ملكية الأراضي، وإغلاق المجال السياسي أمام القوى الشعبية، كلّها أمور شكّلت محرّكات للعنف على مدار الأعوام الماضية، علماً أن كولومبيا تعدّ الأولى بين دول أميركا اللاتينية على مستوى انعدام المساواة؛ إذ إن 1% من السكان يمتلكون 81% من الأراضي، فيما يتقاسم 99% النسبة المتبقية. ورغم أن الاقتصاد الكولومبي يقوم على ثلاث ركائز أساسية، هي التعدين، الزراعة، وتربية الماشية، تهيمن الشركات العابرة للحدود على القطاع الأول بنسبة 100%، فيما يخضع القطاعان الثاني والثالث، بطبيعة الحال إلى سلاسل القيمة العالمية، وهو ما يجعل الأرياف، في ظلّ النظام القائم، منطقة استنزاف للعمال.
وحتى في المجال الأمني – السياسي، لم تُظهر واشنطن أي استعداد لدعم عملية «سلام» حقيقية في كولومبيا. ففي الثمانينيات، وبعد اتفاق سلام أولي عام 1984 بين الدولة الكولومبية و«القوات المسلحة الثورية لكولومبيا – الجيش الشعبي» (فارك)، دعمت الأخيرة تأسيس حزب سياسي قانوني باسم «الاتحاد الوطني» كمنصة سياسية لليسار، بيد أن الردّ على ذلك تمثّل بما يشبه عملية إبادة منهجية؛ إذ نفّذت جماعات يمينية، مدعومة أميركياً، في أواخر الثمانينيات، عمليات اغتيال واسعة بحقّ آلاف من أعضاء الحزب، لتنهار الهدنة تدريجياً ويعود القتال بين الطرفين.
تعتمد البلاد منذ التسعينيات على «معونة» عسكرية في مكافحة المخدرات
وفي عام 2000، فُرِضت على البلاد «خطة كولومبيا»، التي مثّلت إطاراً واسعاً لمكافحة المخدرات والنزاع المسلّح، لكنها عملياً تحوّلت إلى مظلة لعسكرة الدولة وتعزيز الأجهزة الأمنية، بالتوازي مع توسيع النفوذ الأميركي المباشر، وهو ما أدى لاحقاً إلى توقيع اتفاق يسمح للولايات المتحدة باستخدام 7 قواعد عسكرية كولومبية. وهذا كان كفيلاً بـ«دفن» أي مقاربة اجتماعية للصراع، الذي اتّخذ في النهاية شكل «الحرب على المخدرات»، يهدف إلى تغطية استغلال الشركات العابرة للقارات للموارد والطاقة والتنوع البيولوجي في الأنديز والأمازون. واستمرّ الأمر هكذا وصولاً إلى عام 2017، حين حصلت كولومبيا على وضع «شرك عالمي» في «الناتو»، الذي عزّز بدوره من التوظيف الأميركي للحدود الكولومبية، والرامي إلى تثبيت موطئ قدم في بوابة أميركا اللاتينية، ولا سيما لتهديد الجارة الفنزويلية.
مع ذلك، لم تتراجع الحركات الشعبية عن فكرة التسوية التفاوضية؛ إذ دفعت، على امتداد سنوات، في اتجاه سلام يُترجم إلى تغيير اجتماعي. وفي عام 2016، وتحت ضغط حركة شعبية متنامية، وُقّع اتفاق جديد بين الدولة و«فارك»، بعد أربع سنوات من مفاوضات هافانا، التي أظهرت نموذجاً مغايراً في الوساطة من أجل السلام. وتكرّر هذا النموذج عام 2023، عندما احتفى الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل، بالمصافحة بين قائد «جيش التحرير الوطني» أنطونيو غارسيا وبيترو، مجدّداً المشهد الذي جمع الرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس مع قائد «القوات المسلحة الثورية»، إلى جانب الرئيس الكوبي آنذاك، راؤول كاسترو.
وقدّم اتفاق 2016 نموذج عدالة انتقالية أكثر تصالحية مع الحركات الشعبية؛ إذ ضمّ ستة بنود هي: إصلاح ريفي شامل وإعادة توزيع للأراضي، توسيع المشاركة السياسية عبر منح ضمانات للمعارضة، وقف إطلاق النار وتسليم السلاح، معالجة شاملة لاقتصاد المخدرات، تحقيق نظام للحقيقة والعدالة، وسنّ آلية لمتابعة التنفيذ. غير أن بندَين من هذا الاتفاق لم يُنفّذا، وهما الدوائر الانتخابية الخاصة الانتقالية للسلام التي كانت ستُدخل 16 ممثلاً عن الحركات الشعبية إلى الكونغرس (نُفّذت لاحقاً في انتخابات آذار 2022)، والإصلاح البنيوي للنظام السياسي، وهو ما أضعف الثقة بين الجماعات المسلحة والحكومة، وأعطى «مبرراً» للعودة إلى القتال. وجاء ذلك تحت ضغط قوى اليمين، التي رجّحت كفّة مراجعة الاتفاق أو تفريغه من مضمونه، إلى أن شكّل الاستفتاء حوله في الكونغرس ضربة قاصمة لمعسكر السلام. والجدير ذكره، هنا، أن فوائد الحرب لا تخصّ اليمين الكولومبي وحده، بل مشروع اليمين برمّته في نصف الكرة الغربي، والذي ترعاه الولايات المتحدة من أجل ضمان استنزاف البلدان اللاتينية، ولا يحيا إلا عبر «اقتصاد الحرب»، بما فيه عقود الأمن، شركات الخدمات، التحالفات مع القوى شبه العسكرية، وضبط الأقاليم الغنية بالموارد.
أما اتفاق 2023، والذي أطلق عليه اسم «السلام الشامل»، فلم يُحقق الاستقرار المنشود لجملة من الأسباب، من بينها وجود جماعات رافضة له – من مثل «Second Marquetalia» و«33rd Front»، يُقال إنها منشقّة عن «فارك»، ويُعتقد أنها مدعومة من قوى اليمين (التي تجمعها بها مصالح اقتصادية)، ومن خلفها واشنطن التي تصنّف – للمفارقة – قادة تلك الجماعات كمطلوبين بتهم تهريب مخدرات. وفي كانون الثاني 2025، أُجبِر بيترو على تعليق المفاوضات، وذلك بعدما شنّت التشكيلات المسلّحة المشار إليها هجمات في مناطق مثل كاتاتومبو على الحدود مع الجارة الفنزويلية.
ومع ذلك، ورغم خطاب بيترو المنتقد لـ«الناتو» وإعلانه في تشرين الأول الماضي، رغبته في الانسحاب من «الشراكة» مع الحلف، والانحياز نحو الجنوب العالمي، فإن الرئيس لم يتّخذ أي إجراء رسمي لإلغاء تلك الشراكة، بل بقيت القواعد والبرامج العسكرية الأميركية قائمة، الأمر الذي عزّز حال التبعية للولايات المتحدة وللحلف الأطلسي، وضاعف من القيود المفروضة على السياسة الخارجية، في وقت باتت فيه «المعونات» العسكرية مادة «ابتزاز» في أيدي واشنطن. إذ بينما تعتمد البلاد منذ التسعينيات على تلك المعونة العسكرية في مكافحة المخدرات، أصدر البيت الأبيض، في أيلول الماضي، قراراً بإدراج كولومبيا ضمن قائمة الدول التي فشلت في «الالتزام» بالجهود المبذولة في هذا المجال، وهو ما هدّد بتجميد نحو 100 مليون دولار من المساعدات غير المتّصلة بالمخدرات. وجاء ذلك وسط فرض عقوبات مالية استهدفت الرئيس ومسؤولين من دائرته، فضلاً عن قرار واشنطن إرسال حاملات طائرات إلى المنطقة ضمن ذريعة «الحرب على المخدرات» وفرض عقوبات على مسؤولين كولومبيين.




