رأي

النخبة الفرنسية تدق ناقوس الخطر بشأن اليمين المتطرف

تخوّفات من مستقبل خطير لفرنسا. هل يخلف اليمين الفرنسي المتطرف ماكرون ؟

يستقيل فرانسوا فيليروي دي غالهو، محافظ بنك فرنسا ورجل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من البنك المركزي الأوروبي، قبل عام من انتهاء ولايته، لأسباب “شخصية”.

إلاّ أنّ هذه الخطوة تُنذر بمستقبل خطير لفرنسا، في ظل استعداد المسؤولين لاحتمال وصول زعيم يميني متطرف إلى قصر الإليزيه العام المقبل، وفي خضم صراع أوروبا من أجل البقاء في عصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

يبدو أن توقيت فيليروي مدروسٌ بعناية بهدف ضمان سلامة منصب رفيع في الخدمة المدنية، ذي أهمية بالغة للأسواق والسياسة النقدية. رغم أن فرنسا ليست سوى صوت واحد من بين أصوات عديدة في تحديد أسعار الفائدة في البنك المركزي الأوروبي.

إن وضع خلافة فيليروي بين يدي ماكرون – الذي يبدو أنه يدرس خيار بينوا كوير أو إيمانويل مولان، صاحب التوجه السياسي – يضمن نوعاً من الاستمرارية في الإدارة القادمة. ولا يخفى على أحد سبب كون هذا الأمر أولوية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الانتخابات الرئاسية للعام المقبل ستنتهي بفوز مارين لوبان، خصم ماكرون اللدود، أو مساعدها، الشاب جوردان بارديلا.

أياً كان اختيار ماكرون، فمن المرجح أن يكون هناك تماسك أقوى بين محافظي البنك المركزي الأوروبي الـ 21 في فرانكفورت وبارديلا، الذي دعا البنك المركزي إلى بذل المزيد من الجهود لإخراج فرنسا من ركود النمو، بما في ذلك زيادة شراء السندات.

يُعرف صناع السياسة النقدية بصلابتهم، لكنهم أصبحوا أكثر حذراً من التدخل السياسي في أعقاب ضغوط دونالد ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ولا يُساعد استخفاف البيت الأبيض بأوروبا في تحسين الوضع.

إن تعيين محافظ جديد يعني وجود شخصية معروفة على رأس السلطة في حال حدوث صدمة سوقية. ويتجاوز الدين الفرنسي نسبة 110% من الناتج المحلي الإجمالي،فيما يبلغ عجز الموازنة نحو 5%. وتخشى النخبة الحاكمة في البلاد من انهيار سوق السندات نتيجة تنازلات حكومة التجمع الوطني، إضافة إلى التراجع عن إصلاحات نظام التقاعد غير الشعبية.

وباتت لحظة شبيهة بلحظة “ليز تروس”، التي سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى محاولة تروس رئيسة الوزراء البريطانية السابقة الفاشلة فرض تخفيضات ضريبية غير ممولة، بشكل متزايد في قلب منطقة اليورو، وهو أمر لطالما حذر منه فيليروي لسنوات.

هذا التغيير ليس مجرد “فريق حماية من الانهيار” كما أنشأه رونالد ريغان لتقديم المشورة للرؤساء، بشأن تقلبات السوق. إن التلاعب الدقيق من جانب الطبقة الحاكمة الفرنسية هو أوضح إشارة، حتى الآن، من أروقة السلطة الأوروبية، إلا أن إحدى القوى الرئيسية في القارة قد تشهد قريباً، لحظة شعبوية. يمكنك سماع سيناريوهات متشائمة من الرؤساء التنفيذيين والموظفين الحكوميين يتصورون حكومة شعبوية تطلق العنان لتخفيضات ضريبية باهظة ونفقات ضخمة على المعاشات التقاعدية بعد وصولها إلى السلطة.

إنه خطر يتردد صداه في أرجاء أوروبا، حيث يستعد ماكرون، للدفع مجدداً برؤيته الخاصة للتحول الجيوسياسي في عصر ترامب وبوتين. وفي سلسلة من المقابلات الصحفية قبيل قمة قادة الاتحاد الأوروبي، جدد دعوته إلى “اقتصاد أكثر اكتفاءً ذاتياً”، وموجّه نحو السوق المحلية، وعلى استعداد للاقتراض والاستثمار معاً، بما يزيد عن 800 مليار يورو أي 953 مليار دولار سنوياً. إلا أن فرنسا تبدو “صوتاً وحيداً” في هذا التيار، في حين توحد ألمانيا وإيطاليا جهودهما لاتباع استراتيجية أقل جذرية، ترتكز على معالجة ضعف القدرة التنافسية للقارة.

يأمل ماكرون، المعروف بميله “للمقامرة السياسية”، أن يمنحه تحكمه قصير الأجل في إعادة تشكيل شخصيات بارزة مثل فيليروي نفوذاً أكبر في محاولته توجيه البنك المركزي الأوروبي. ويحتاج الرئيس الفرنسي، بشدة، إلى دعم نقدي يهدف إلى خفض قيمة اليورو ووقف انزلاق بلاده نحو تضخم أقل من نسبة 1%.

فيما ينفد الوقت أمامه للتأثير على مجريات الأمور. فكل خبر محلي يبدو أنه يشجع التطرف، بدءاً من إغلاق المصانع والانخفاض النسبي في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا، وصولاً إلى استقالة الوزير السابق جاك لانغ بسبب علاقاته بجيفري إبستين. يسود فرنسا جو من التشاؤم تجاه أوروبا، بينما يسود جو من التفاؤل تجاه القادة الأقوياء ذوي النزعة العملية. وتُعدّ خطوة فيليروي بمنزلة خطة احتياطية أخيرة.

المصدر: وكالة “بلومبرغ”

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى