رأي

المعادلة الروسية في آسيا: بين دعم إيران وعلاقتها بـ”إسرائيل”

ما حدود الدعم الروسي لإيران، وهل يمكن أن يصل إلى حد الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”؟

أحمد الدرزي – الميادين:

ما إن أطلَّ يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2025، حتى وصل قطار الشحن الأول من شمال موسكو إلى ميناء “أبرين” الجاف جنوب غرب طهران، معلناً عن نجاح الاختبار الأول لممر “شمال-جنوب” البديل عن الممرات البحرية، ومختزلاً مسافة 6500 كم في 13 يوماً بدلاً من 45 يوماً.

هذا الإنجاز يؤكد أن تحالفات جديدة بدأت بالانبثاق، وقد تبلورت بشكل كبير بعد حرب الـ12 يوماً، من خلال الدعم الروسي – والصيني – الكبير لإيران، وصولاً إلى توقيع “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الثلاثية”. الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عن حدود الدعم الروسي، وهل يمكن أن يصل إلى حد الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”؟

لفهم حدود المساحة التي تتحرك فيها روسيا، لا بد من فهم منطلقات السياسات الروسية المتعددة، والتي لا يمكن استيعابها بالاعتماد على التصورات السابقة لروسيا “السوفياتية”. فروسيا الحالية تُقيم علاقات وثيقة مع قوى متناقضة وجودياً. فهي تملك أقوى العلاقات مع “إسرائيل”، وبشكل خاص هناك علاقة مميزة بين الرئيس الروسي بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. وفي الوقت نفسه، تستقبل وفود حركتَي حماس وحزب الله في موسكو، وتوقّع اتفاقية شراكة استراتيجية مع إيران لمدة 20 عاماً، وتدعمها في الدفاع عن نفسها لمواجهة تهديدات “تل أبيب”.

منطلقات السياسة الروسية
حدث تحوّل جوهري في منطلقات السياسة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فقد كانت محكومة سابقاً بفكرة مركزية تستند إلى ثلاث قوائم: الصراع الطبقي، والأممية البروليتارية، والإلحاد الرسمي، بهدف بناء مجتمع شيوعي عالمي عبر تصدير الثورة. هذا أدى إلى فراغ هائل بعد الانهيار، وضياع للدولة والمجتمع الروسي دام قرابة عشرة أعوام.

مع مجيء الرئيس بوتين إلى السلطة، بدأت عملية تشكيل هوية متجددة لروسيا، تنسجم مع جذورها التاريخية القيصرية المستندة إلى القومية الأرثوذكسية. وجوهرها المركزي يقوم على أربعة مرتكزات: “روسيا المقدسة، الاستمرارية التاريخية، القيم التقليدية، والعالم الروسي”. وتهدف هذه الرؤية إلى استعادة الهوية الوطنية، وتوحيد الروس حول فكرة جامعة، ومقاومة الانحلال الغربي. وهنا يبرز دور الكنيسة الأرثوذكسية التي تبنت “رؤية قومية” تتشاركها مع الدولة والمجتمع لاستعادة كل الروس والأراضي الروسية السابقة.

هذا التحوّل دفع إلى صياغة مبادئ سياسية جديدة غير أيديولوجية، تعتمد على أولوية المصلحة الوطنية، والواقعية السياسية، وعدم الانحياز الإيديولوجي. والهدف منها تعظيم النفوذ الروسي، وحماية الأمن القومي، وتحقيق أعلى قدر من المكاسب.

تجليات السياسة الروسية
أقامت موسكو تحالفاً واسعاً وعميقاً مع إيران، تجلى في الحرب الأوكرانية بداية، بعد أن أمدَّت طهران روسيا بطائرات “شاهد 136″ المسيرة، والتي أحدثت تحوّلاً في مجريات الحرب لصالح روسيا. ولكن هذا التحالف لم يدفع روسيا لحماية القوات الإيرانية في سوريا من الهجمات الإسرائيلية. بينما موقفها الآن مختلف في إيران، حيث تقدم أحدث التكنولوجيا لتمكينها من الدفاع عن نفسها في وجه الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

وهي أيضاً تدعم القضية الفلسطينية من منظور حل الدولتين، وتتخذ مواقف في مجلس الأمن الدولي لصالحها. ولكنها في الوقت نفسه تحتفظ بأوسع قنوات العلاقات مع “إسرائيل”، وتعتبر مسألة بقائها وحمايتها من أولويات السياسة الروسية، بالرغم من الحجم الكبير للدور الإسرائيلي في انهيار الاتحاد السوفياتي واستنزافه لخيرة العلماء الروس في مرحلة الضياع.

ولا يتوقف الأمر على الصراعات الوجودية، بل ينزل إلى مستوى الخصومات الإقليمية والدولية، خاصة في منطقة “قلب العالم”. فروسيا تُقيم أفضل العلاقات مع دول وقوى متخاصمة ومتنافسة؛ فهي دعمت الحوثيين لوجستياً لاستهداف السفن التجارية الإسرائيلية والأميركية في البحر الأحمر وبحر العرب، وفي الوقت نفسه تُقيم أوثق العلاقات مع المملكة العربية السعودية، خصيمة الحوثيين، ومع الإمارات العربية المتحدة، التي هي بدورها خصيمة للسعوديين في بعض الملفات. كما تتشارك مع الإماراتيين في ليبيا بدعم “خليفة حفتر”، خصيم تركيا، الشريكة لروسيا في سوريا.

منطلق هذه السياسات
لا يمكن تفسير هذه السياسات إلا على أساس المبادئ التي تحدثنا عنها: المصلحة الوطنية الروسية العليا تتقدم على مصالح الأطراف الأخرى، وأمنها القومي يعتمد على توسيع دائرة نفوذها. وأهم المناطق التي تحقق هذا النفوذ هي منطقة قلب العالم (مثلث وادي النيل – هضبة الأناضول – الهضبة الإيرانية). وهذا ما يدفعها لاستثمار التناقضات الوجودية أو التنافسية بين كل الأطراف عبر سياسة واقعية، لا عبر التوفيق بينها. هذا النهج يحوّل روسيا إلى وسيط لا غنى عنه لكل الأطراف، ويعزز نفوذها في المنطقة، على عكس الولايات المتحدة التي تنحاز إلى طرف واحد (إسرائيل) وتطلب من الأطراف الأخرى الخضوع له.

حدود العلاقة مع إيران وحربها المؤجلة
لا شك أن الموقف الروسي الداعم بشكل كبير لإيران عسكرياً وأمنياً، قد لعب دوراً كبيراً في إفشال الحراك الأخير، وإجهاض التهديدات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية في الحرب المؤجلة. وهذا موقف كبير ينبع من حجم التهديدات التي تتعرض لها روسيا جراء سقوط إيران وتفككها.

فإذا سقطت إيران، ستخسر روسيا ممر “شمال-جنوب” كخطوة أولى، وستصبح على تماس مباشر مع الأميركيين جنوباً، الذين سيستثمرون في التنوع الإثني والديني في آسيا الوسطى وقلب روسيا بهدف تفكيكها والسيطرة على ثرواتها الهائلة، بعد التخلص من عدو إمبراطوري أرثوذكسي شكل تهديداً للأنكلوساكسون منذ نهايات القرن الثامن عشر وحتى الآن.

ولكن السؤال الأهم: رغم كل هذه التهديدات، هل سيدفع ذلك روسيا إلى الدفاع المباشر عن مصالحها الوطنية وأمنها القومي ونفوذها في إيران؟ الأمر هنا يتعلق بقدرة اقتصاد روسيا، المستنزف في الحرب الأوكرانية وتحت وطأة العقوبات الغربية الشديدة، والتي لا تتيح لها الفرصة لخوض مغامرة كبرى جديدة. ويبقى أيضاً أن موسكو، بالتأكيد، لا تريد شركاء أقوياء معها مثل إيران وتركيا، لأن ذلك قد يحد من هيمنتها النسبية على المشهد.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى