المأزق الأيديولوجي والسياسي لإستراتيجية “محور المقاومة”

كتب سمير عادل في صحيفة العرب.
معضلة النظام السياسي – الاقتصادي في إيران تكمن في أنه غير قادر على الاندماج في علاقات رأسمالية طبيعية أو الانضمام إلى المنظومة الرأسمالية العالمية.
يُعد المأزق الأيديولوجي والسياسي الذي يعيشه النظام السياسي في إيران في هذه المرحلة من أكثر التحديات خطورة على وجود الجمهورية الإسلامية، ويأتي في ظل تحولات في منطقة الشرق الأوسط، حيث تسعى إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يتماشى مع رؤيتها الإستراتيجية. وتمثل هذه المرحلة أكثر الفترات التاريخية حرجا التي تمر بها إيران منذ اختطاف التيار الإسلامي الثورة الإيرانية عام 1979 بدعم الثلاثي الغربي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.
التهديدات المتكررة لعلي خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية، بإشعال الفوضى وحرب أهلية في سوريا، تزامنت مع تصريحات من محسن رضائي، عضو مجلس تشخيص النظام، والمواقف المتناقضة لعباس عراقجي، وزير الخارجية، التي تراوحت تصريحاته بين التهديدات والدبلوماسية، مما يعكس تخبطا واضحا في المواقف الرسمية، وفي سياق المواقف آنفا، أعلن أحمد بخشايش أردسباني، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، بوجود 130 ألف مقاتل في سوريا، درّبهم قاسم سليماني، وهم بانتظار الأوامر للتحرك.
هذه التصريحات لا تعكس فقدان التوازن في العقل الإستراتيجي الإيراني بسبب الضربة الموجعة التي تلقاها بسقوط نظام بشار الأسد، ولا يمكن تفسيرها بمجرد التعبير عن الامتعاض، بل تكشف عن مكانة النظام السياسي – الاقتصادي الإيراني، باعتباره جزءا من منظومة النظام الرأسمالي العالمي، وقدرته على الصمود واستمرارية دوره في ظل الصراع المحتدم بين الأقطاب الإقليمية والدولية.
محتوى أو ماهية المشروعين لنظام الشاه الذي أسقطته ثورة 1979، والنظام الذي مثلته الجمهورية الإسلامية هما واحد، ويعبران عن تطلعات البرجوازية القومية في إيران ومشروعها التنافسي، إلا أن الاختلاف الأساسي بينهما يكمن في أن الأول نجح بالحصول على “رخصة عمل” من الولايات المتحدة للعب دور الشرطي في المنطقة، بينما سعى النظام الإسلامي للعمل لحسابه الخاص.
كان نظام الشاه معروفا بعدائه للتيار القومي العربي، الذي صُنّف آنذاك ضمن خانة اليسار والحركات التي تطمح لبناء مشروع اقتصادي وسياسي مستقل. واستطاع الشاه، في مرحلة معينة، فرض شروطه على نظام البعث في العراق – صاحب شعارات تحرير الأمة العربية وتحرير فلسطين ليصبح أحد أبطال حرب أكتوبر 1973، وبعد ذلك تحول إلى حارس البوابة الشرقية – من خلال “اتفاقية الجزائر” عام 1975، التي نصّت على وقف دعم إيران للقوميين الكرد في العراق وحركتهم المسلحة مقابل تنازلات كبيرة من الجانب العراقي في (شط العرب) والكف بالتحريض على المطالبة بالجزر طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبوموسى التي احتلها نظام شاه عام 1971 وما زالت تحتلها إيران.
فضلا على ذلك، كانت لنظام الشاه علاقات قوية مع إسرائيل، التي كان الموقف منها بمثابة بوصلة لتصنيف التيارات السياسية، حيث تنافست جميع التيارات القومية العربية، على رفع شعارات تحرير فلسطين، واعتُبر نظام الشاه أحد الأنظمة الرجعية المدعومة من الولايات المتحدة.
الأقطاب الإقليمية والدولية في النظام الرأسمالي الذي نعيشه تحتاج دائما إلى رفع شعارات لتبرير هيمنتها السياسية والاقتصادية، بغض النظر عن مدى الزيف والخداع والتضليل الذي تحمله تلك الشعارات.
القطب الغربي، بقيادة الولايات المتحدة، تبنّى شعارات مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأحيانا زيّنها بشعار “الحرب على الإرهاب”، خاصة في المواقف التي يصعب فيها تبرير سحب الشرعية من أنظمة سياسية معترف بها دوليا لإسقاطها.
أما القطب المنافس، بقيادة روسيا والصين، فقد رفع في مرحلة ما شعار “احترام القانون الدولي” وروّج له بقوة. لكن عندما شنت روسيا حربها على أوكرانيا، تغاضت عن هذا الشعار واستبدلته بشعار جديد “عالم متعدد الأقطاب أكثر عدالة”.
في منطقتنا، تداخلت رايتان فكريتان وسياسيتان شكلتا محورا للاصطفافات، ونُظمت حولهما أكبر حملات التضليل الإعلامي: الحرب على الإرهاب والصراع الطائفي أو الدفاع عن الطائفة. شهدنا فصول هذه الصراعات، سواء خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في ظل احتلال العراق عام 2006، أو مع إعلان ما يُعرف بدولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام عام 2014، أو كما تجلت هذه الصراعات في الحرب الأهلية السورية.
وسط هذه الحروب، لمع بريق شعار “المقاومة والممانعة”، ساهم في صياغته النظام القومي في سوريا، وتعزز بزعامة الجمهورية الإسلامية في إيران التي تبنته كجزء من مشروع إقليمي وهو توسيع مساحة النفوذ القومي البرجوازي الذي مثله النظام السياسي الجديد في طهران بعد ثورة 1979، وحيث تبنى شعار “تصدير الثورة”.
إن شعار “تصدير الثورة” الذي تبنته الجمهورية الإسلامية هو في جوهره شعار قومي برجوازي مغلف بأيديولوجية إسلامية. وقد مثّلت الحرب العراقية – الإيرانية إحدى المحطات الدموية للشعار المذكور، إذ شهدت صراعا بين رؤيتين متناقضتين: الأولى تتمثل في التيار القومي العروبي بقيادة نظام البعث، والثانية في التيار الإسلامي الذي مثّله النظام السياسي للملالي في إيران. بعبارة أخرى، كانت هذه الحرب صراعا على الهيمنة في المنطقة، بين البرجوازية القومية الإيرانية والبرجوازية القومية العربية.
لم يكن للمشروع القومي البرجوازي الإيراني، بالقيادة الجديدة لنظام الملالي، إمكانية التغلغل في المنطقة تحت راية قومية، كما هو الحال مع المشروع القومي البرجوازي التركي الذي يقوده حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان. ويظهر أن كلا المشروعين يتنافسان في نفس المسار، عبر التزاحم على “القضية الفلسطينية”. وفي مراحل معينة من اشتداد التنافس، يعمد الطرفان إلى تسخين المستنقعات الطائفية، لتبرز منها جماعات وميليشيات سنية وشيعية تعمل كمطية لها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، رد أحمد داود أوغلو على أسئلة الصحافيين، وكان يشغل منصب وزير الخارجية لتركيا آنذاك، على سؤال حول سيطرة داعش على ثلث مساحة العراق بعد 30 يونيو 2014 بقوله إن هناك ظلما طائفيا في العراق. وكذلك شهدنا الحرب بالوكالة التي دارت في سوريا، حيث رفع محور “المقاومة” شعار الدفاع عن المقدسات. وقد أُطلقت أسماء لرموز شيعية على معظم الميليشيات التي جُلِبت من العراق وباكستان وأفغانستان. وأخيرا وصلت الجماعات المنشقة عن تنظيم القاعدة وهي “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق في الثامن من ديسمبر 2024 بدعم من الدبابات التركية لتتحول سوريا إلى قلب الشرق الأوسط الجديد.
ويكشف ما حدث، النقاب عن أن الصراع الدائر هو صراع بين المشاريع القومية التي تهدف إلى الهيمنة على المنطقة. يتمثل المشروع الأول في المحور القومي التركي بصياغة أردوغانية، وبنقشتين: تارة فلسطينية وأخرى حرب على الإرهاب، حسب الظروف السياسية. أما المشروع الثاني، فهو المحور القومي الإيراني بلباس “محور المقاومة”، الذي يتخذ من معاداة إسرائيل وأميركا عنوانا تارة، ونصرة الشعب الفلسطيني عنوانا آخر. وتتنافس هذه المشاريع، في خضم صراع المشاريع الإمبريالية العالمية تحت عناوين محاربة داعش والإرهاب.
معضلة النظام السياسي – الاقتصادي في إيران تكمن في أنه غير قادر على الاندماج في علاقات رأسمالية طبيعية أو الانضمام إلى المنظومة الرأسمالية العالمية. فمن جهة، لا يقبل النظام بالقسمة، أو بالأحرى، لا يرضى بالفتات الذي ترميه الإمبريالية العالمية. ومن جهة أخرى، هو غير قادر على المنافسة الاقتصادية في السوق الرأسمالية؛ إذ لا يملك رأس المال ولا يمتلك التكنولوجيا الصناعية التي تمكنه من دخول سوق المنافسة الرأسمالية. لذلك، ليس أمامه سوى اللجوء إلى التدخل العسكري من خلال تشكيلات موالية له، تعتمد على العقائد والأيديولوجيا التي ينشرها.
إذا نظرنا، إلى السوق العراقية، نجد أن السلع الإيرانية تغرق الأسواق في مناطق الوسط والجنوب، ليس بسبب جودتها النوعية، بل بسبب وجود الميليشيات الموالية لإيران وسيطرتها على الأسواق العراقية. فهي غير قادرة على المنافسة مع السلع التركية والصينية وغيرها. أما الهزيمة التي تعرضت لها إيران في سوريا، فقد كبدتها خسائر اقتصادية تقدر، وفقا للتوقعات الأولية، بحوالي 60 مليار دولار. فقد استثمرت أموالا طيلة هذه السنوات في صناعات النفط والغاز والفوسفات والسيارات والأدوية.. تلك الاستثمارات لم تكن لتتحقق لولا هيمنتها العسكرية في سوريا. ورغم أن السلطة السياسية الحاكمة في العراق هي من صنعها وموالية لها، إلا أنها لم تتمكن من استثمار نفس القدر من الأموال في العراق. والسبب بسيط؛ إذ توجد منافسة رأسمالية شديدة في السوق العراقية، مثل الاستثمارات التركية، بالإضافة إلى الشركات الأميركية في مجال الطاقة، إلى جانب الشركات الروسية والصينية والفرنسية والبريطانية.
ما نريد قوله هو إن فائض القوة العسكرية للنظام السياسي في إيران غير قادر على الانكفاء إلى الداخل لأنه يعبّر عن الضرورة الملحة للحاجات البرجوازية القومية، ولن يبتلع النظام بسهولة الهزائم التي لحقت به.
في النهاية، إن الانكفاء إلى الداخل يؤدي إلى تفكك الجمهورية الإسلامية من الداخل، وبالتالي انهيارها. إن الخصيصة التي تميز البرجوازية القومية الإيرانية تكمن في توسيع نفوذها الإقليمي عبر الهيمنة العسكرية، وهذه الهيمنة في حاجة إلى أيديولوجية سياسية تدعمها. استجابة لذلك، نشأ غطاء أيديولوجي إسلامي للنزعة القومية التوسعية الإيرانية، إلا أن هذه النزعة تصطدم بالهيمنة الإمبريالية، ويجب أن يكون هناك مخرج قادر على تعبئة التيارات السياسية الأخرى، لتشاركها رؤيتها السياسية وتوحيد صفوفها وزجها جميعا في صراعها على النفوذ مع الإمبريالية. من هنا، جاء مفهوم “محور المقاومة والممانعة” بنكهة إيرانية جديدة، يهدف إلى إخفاء حقيقة المشروع القومي الذي يقوده النظام الإسلامي في إيران.
وفي المحصلة النهائية، فإن النظام الإسلامي في إيران يقف أمام خيارين. الأول هو إعادة تموضعه وهيكلة أذرعه الميليشياوية للتوسع مجددا، ويصطدم هذا الخيار بجدار التغول الإسرائيلي وانتصاراته العسكرية في المنطقة، ويُحتمل أن يلجأ إلى إشعال الفوضى في سوريا والعراق بهدف انتزاع امتيازات سياسية واقتصادية.
أما الخيار الآخر فهو الإذعان أمام إسرائيل والولايات المتحدة والقبول بصفقة تنازلات كبيرة، مما سيؤدي إلى انكفائه نحو الداخل، ويُعدّ ذلك بمثابة نهاية لمشروعه.
بعبارة أخرى، لقد حانت لحظة أفول شعار “محور المقاومة والممانعة”، وستواجه القيادة الإيرانية صعوبة في حشد التعبئة الجماهيرية والسياسية، مما سيؤثر في قدرتها على إيقاف تدحرج كرة فشل المشروع القومي البرجوازي الإيراني.