الغرب وفوضى التحالفات

كتب يونس السيد, في الخليج:
من يمتلك القوة الغاشمة يستطيع أن يخطف رئيس دولة وزوجته من منزلهما كما حدث مع نيكولاس مادورو، ويستطيع أيضاً أن يهدد بإعلان الحرب على أي دولة إذا لم ترضخ لمشيئته، لكنه لا يستطيع أبداً أن يمنع العالم من التوجه لبناء نظام دولي يقوم على التعددية القطبية والعدالة واحترام حقوق الإنسان.
حقيقة أن الإدارة الأمريكية تتجاوز الأمم المتحدة وتريد إخضاع العالم ل «قانون القوة» بدلاَ من «قوة القانون»، لا يمكن أن تصمد طويلاً إذا ما قرر العالم الاتحاد من أجل التغيير.
والغريب أن الإدارة نفسها تدفع في هذا الاتجاه، من حيث تدري أو لا تدري، والأغرب أنها تمعن في فن استعداء الحلفاء بلا أسباب موجبة لذلك. وإن سلمنا جدلاً بأن لدى واشنطن من الأسباب ما يجعلها تفكر في تنصيب أنظمة موالية لها في أمريكا اللاتينية، لأسباب مختلفة على رأسها السيطرة على نفط ومعادن وثروات تلك البلاد، وإبعاد المنافسين مثل الصين وروسيا عن «حديقتها الخلفية»، فإنه لا يمكن تفسير محاولات الاستحواذ على جزيرة غرينلاند وكندا وقناة بنما وغيرها من المناطق الحليفة، إلا من خلال الجشع الرأسمالي اللامحدود الذي يذهب إلى حد السيطرة المباشرة والمطلقة على ثروات الدول بغض النظر عن مصالح الحلفاء وعلى قاعدة «أمريكا أولاً.. ومن بعدي الطوفان».
والأسوأ أنه عندما تتعامل واشنطن مع التاريخ بنظرة استعلائية تقلل من شأن الحلفاء، كما حدث بشأن أفغانستان، ويتم إغضاب هؤلاء، من دون ضرورة، عبر إظهار هامشية دورهم، فإنها بذلك تقدم أسباباً مجانية لانفضاض هؤلاء الحلفاء من حولها والبحث عن حلفاء جدد، وهو ما حدث بالفعل عندما توجه رئيس الوزراء البريطاني ستارمر إلى الصين لتعميق العلاقات الاقتصادية والتجارية، وربما السياسية، طالما أن الأمور وصلت إلى حد «إهانة» الدور البريطاني في أفغانستان، وفق تعبير رئيس الوزراء البريطاني، وهو الأمر الذي فعله رئيس الوزراء الكندي والرئيس الفرنسي من قبل.
هل معنى ذلك أن واشنطن تتخلى عن حلفائها بهذه البساطة وتدفعهم دفعاً إلى أحضان الصين وروسيا، أم أن الأمر يتعلق بفوضى التحالفات التي في ضوئها قد يتبلور النظام الدولي الجديد؟
الواقع أنه كان يمكن لواشنطن أن تفعل العكس وأن تبعد الحليف البريطاني الموثوق تاريخياً عن أوروبا والصين، بدلاً من فرض رسوم جمركية عليه. وكان يمكنها الحفاظ على حلف «الناتو» الذي يترنح على وقع الخلافات، والبقاء متربعة على رأس النظام العالمي بدلاً من شن حرب تجارية عالمية، وإشعال الحروب، التي تدعي العمل على إخمادها، وبدلاً من غطرسة الحديث عن فرض السلام بالقوة، وهي كلها مسائل تعبر عن أزماتها الداخلية. لكن رب ضارة نافعة، فالانفضاض من حول مركز العالم الغربي في واشنطن يسرع، دون شك، في ظهور عالم متعدد الأقطاب، بلا هيمنة أحادية ولا ثنائية (أمريكية صينية) كما يروج البعض.




