رأي

العراق والحياد الصعب في زمن الحرب والاستقطاب

عريب الرنتاوي – الميادين:

الحشد الشعبي لا يُخفي انتصاره لإيران سياسياً، وبعضه عسكرياً كذلك، وثمة بيانات مرقمة تصدر عن فصائل تنتمي إلى الحشد، تتبنى فيها عمليات عسكرية ضد أهداف أميركية، في العراق والمنطقة.

تعكس القرارات التي أصدرها المجلس الوزاري للأمن الوطني في اجتماعه الطارئ الأخير، برئاسة محمد شياع السوداني، عمق المأزق الذي يعتصر السياسة وصنع القرار في العراق، مثلما تجسد صعوبة الحفاظ على التوازن والاتزان، في زمن الحرب واتساع حدة الاستقطاب، بل ويمكن القول إن هذه القرارات عكست الشيء ونقيضه في الوقت ذاته.

المجلس إذ لاحظ تكرار الاعتداءات والهجمات بالطيران الحربي والمسيّر، على وحدات من الجيش والحشد، قرر منح القوى الأمنية والعسكرية الرسمية، حق الرد بالمثل عملاً بمبدأ الدفاع المشروع عن النفس، وحيثما أمكن…البيان في لغته ومنطوقه، عمد إلى “تجهيل الفاعل”، ولولا قرار آخر باستدعاء القائم بالأعمال الأميركي لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية، لظننا أن هذه الاعتداءات قام بها فضائيون من خارج المجرة.

والمجلس إذ لاحظ وجود حالات “تفلت” واعتداء على قنصليات وبعثات دبلوماسية وقوات حرس كردية “بيشمركة”، طالب الجهات الأمنية بملاحقة المرتكبين، تأكيداً لمبدأ سيادة الدولة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، وصوناً للأمن والانتظام العام.

بعبارات أخرى، المجلس الوزاري للأمن الوطني، يطلب إلى الحشد الشعبي ممارسة حقه الطبيعي في الدفاع عن النفس، بما يعني رد الصاع صاعاً واحداً أو صاعين إن أمكن، للقوات الأميركية التي تقوم بقصف مواقعه ومراكزه وقياداته ومعسكراته، بالطيران الحربي والمسيّر، لا أحد غير هؤلاء يفعل ذلك، هم من يستحقون “الرد بالمثل”، أو هكذا نفهم من البيان والقرارات الوزارية.

في المقابل، نحن نعرف أن الحشد الشعبي، أو فصائل منه، هي من يقوم باستهداف معسكرات للأميركيين، وقواعد لوجستية في السفارة المدججة بالسلاح، وفي مطاري بغداد وأربيل، حيث الوجود العسكري الأميركي، حربياً كان أم لوجستياً، ما يستوجب ملاحقة هؤلاء “المرتكبين”، وإنفاذ القانون بحقهم، أي بمعنى آخر، تكليف جزء من القوى الأمنية والعسكرية العراقية، بمطاردة جزء آخر منها، من دون أن ننفي بالطبع، وجود عناصر متفلتة ودخيلة، وقد تكون “مشبوهة”، تسعى للتشويش على المشهد العراقي.

واشنطن والحشد
واشنطن لا تُخفي عداءها للحشد، وبالأخص للفصائل التي انخرطت في حربي الإسناد، الأولى دعماً لغزة والثانية دعماً لإيران، وهي لطالما ضغطت لمنع تمثيله في الحكومة، برغم حصول مكوناته على ما يقرب من 30 في المئة من مقاعد مجلس النواب في الانتخابات الأخيرة، وهي التي ناهضت تشريعات كانت معدّة للعرض على البرلمان، تذهب خطوات إضافية في “شرعنة” الحشد وتحصين امتيازاته.

في المقابل، فإن الحشد، لا يُخفي انتصاره لإيران سياسياً، وبعضه عسكرياً كذلك، وثمة بيانات مرقمة تصدر عن فصائل تنتمي إلى الحشد، يتبنى فيها عمليات عسكرية ضد أهداف أميركية، في العراق والمنطقة، وقواه الأساسية لطالما طالبت بتفكيك القواعد الأميركية، من العراق، كل العراق، بما في ذلك الإقليم، وهي لطالما هددت باستهدافها إن لم ترحل، سيما في لحظات الاشتباك بين أطراف “المحور” من جهة، وواشنطن و”تل أبيب” من جهة ثانية.

وباستهدافها زعيم الحشد، فالح الفياض، الذي نجا من غارة أميركية على منزل له في الموصل، لم تعد واشنطن تميز بين مروحة الفصائل المكونة للحشد، وبعضها أقرب للمؤسسة الأمنية والعسكرية العراقية ولرئيس الحكومة القائد الأعلى، وأخرى، “ولائية” أو “مقاومة” لا تخفي عداءها لواشنطن و”تل أبيب”، ولا تتنصل من التصاقها بالجمهورية الإسلامية وأطراف “المحور”، فيما فريق ثالث منها، يتموضع في منزلة بين منزلتين….لكأنها تعلن بكل فجاجة ورعونة، حرباً على الدولة بمؤسساتها المختلفة، من خلال إعلانها الحرب على الحشد، وتستعدي مكوناً أساسياً من مكونات العراق، لا سبيل لها إلا التعامل معه، إن كانت ما زالت تنوي إدارة مصالحها في العراق والمنطقة.

وإذ تبلغ الجرأة بواشنطن، حد شن عمليات متكررة ضد جهاز أمني – عسكري رسمي (الحشد)، وأحياناً تلحق بالجيش النظامي ما تعدّه “أضراراً جانبية”، فإنها تراهن على انقسامات العراقيين واختلاف أولوياتهم وتحالفاتهم، فليس خافياً على أحد، أن “الإقليم” يعيش مناخات الحماية الأميركية منذ أزيد من 35 عاماً، عندما تم فرض مناطق الحظر الجوي، وليس سراً أن واشنطن التي تسحب قواتها من سوريا وبعض محافظات العراق، إنما تعيد انتشارها في الإقليم، لكأنه دولة مستقلة أخرى، وليس جزءاً من العراق، والأصل أنه يخضع لقرارات حكومتها الفيدرالية، سيما في ميادين السياسة الدفاعية والأمنية والخارجية…شجع ذلك طهران، وسمح لها، بأن تجعل من الوجود الأميركي النشط في الإقليم، ومن الفصائل كردية الانفصالية المسلحة، التي تتخذ منه قاعدة ومنطلقاً لها، أهدافاً مشروعة لعملياتها الحربية.

وثمة قطاع واسع، من العرب السنّة العراقيين، لا تُخفي تحفظاتها على الحشد ودوره، وتنظر لواشنطن بوصفها صديقاً ومشروعاً حليفاً، لا يجوز التخلي عنه، والمقامرة بفقدان التوازن في معادلات القوة والحماية، سيما مع تفاقم تجربة الفشل المتمادي لمشاريع بناء دولة المواطنة المتساوية وغلبة مفاهيم المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقية، واستتباعاً، تنامي اعتمادية المكونات على الخارج.

والمكون الأكبر، الشيعي، لديه من الشقوق و”الثقوب” في صفوفه، ومن الانتهازية عند بعضٍ من زعاماته، ما يكفي لدفعها إلى خطب ود واشنطن، والانقلاب على تاريخها وتحالفاتها ومواقفها المعلنة، والسعي لاسترضاء الموفدين والسفراء الأميركيين، على أمل الحصول على “ضوء أخضر” من سيد البيت الأبيض، لتولي هذا المنصب أو شغل ذاك…هذا المكون تتقاذفه مصالح متضاربة ومنافسات محتدمة، كما تتجاذبه في زمن الحرب والاستقطاب، رياح ساخنة تهبُّ عليه من الشرق والغرب، وتسمح لواشنطن بالتمادي من دون خشية من عواقب، ومن أمن العقاب، أساء الأدب.

صندوق بريد وصناديق ذخيرة
لطالما عبّر رؤساء حكومات ومسؤولون عراقيون، عن الرغبة في تحييد بلادهم، وتجنيبها ويلات الصراع الأميركي-الإيراني، ورفضهم تحويل العراق ساحة لتصفية الحسابات وحروب الآخرين فيه وعليه، لكن يبدو أن هذه الآمال العراض، لم تجد من يدعمها في التركيبة السياسية – الحزبية للعراقيين، فظلت صرخات في واد سحيق.

وإذ أخفق العراق في تفادي أن يكون “صندوق بريد” بين واشنطن وطهران، فإن أطرافه ومكوناته، اتجهت مع احتدام الحرب الأميركية (الإسرائيلية) على إيران، لاستخراج “صناديق الذخيرة” ونفض الغبار عنها، دفاعاً عن تحالفاتها وأولوياتها، في حرب توصف بأنها معركة وجود لإيران، وحرب تكريس الزعامة أو المقامرة بفقدان الهيمنة بالنسبة إلى الولايات المتحدة…الحياد الصعب، يدفع الأطراف العراقية إلى ااختيار اصطفافاتها وإبداء الاستعداد لخوض المواجهة الدائرة رحاها على عموم الأرض العراقية.

لكن، وبخلاف حزب الله في لبنان، لا تجد الفصائل العراقية نفسها في حرب وجودية، هي بلا شك تخوض معركة لتحسين المواقع وتحصين المكتسبات، ومعظمها إن لم نقل جميعها، بمقدورها أن ترسو على شواطئ المشاركة السياسية، بوصفها أحزاباً وكيانات ومكونات، من دون الاضطرار للاستمساك بهوية مقاتلة أو مسلحة، حين تدنو لحظة التكيّف وبعد أن يهدأ غبار المعارك الدائرة في الإقليم.

وإلى أن ينجلي دخان المعارك، ستظل قرارات الحكومة المركزية وتوجهاتها، مرآة تعكس هذه التوازنات الدقيقة والمتعارضة لمختلف الأطراف العراقية، تبسط رعايتها على الحشد وتعطيه الحق في الرد على ضربات أميركية مؤلمة، وتفرش مظلتها على “البيشمركة” من فصائل تنتمي إلى الحشد… تستدعي السفير الإيراني للاحتجاج على ضربات إيرانية، وفي الوقت نفسه، تستدعي القائم بالأعمال الأميركي للاحتجاج على ضربات جوية أميركية ضد فصائل محسوبة على إيران وجزء من القوى الأمنية والعسكرية الرسمية…وسيظل حال العراق على هذا المنوال، إلى أن ترسو سفينة الحرب الدائرة على مرفأ الحل والحسم، سلماً أو حرباً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى