رأي

الصمت الصيني.. والثرثرة الأمريكية

كتب مفتاح شعيب, في الخليج:

لا خلاف على أن الساحة العالمية تشهد تحولات سياسية واستراتيجية متسارعة يحركها تنافس حاد بين القوى الكبرى، كسر كثيراً من القواعد والبروتوكولات الناظمة للعلاقات الدولية. وبينما تطفو على السطح صورة للولايات المتحدة توحي بأنها اللاعب الوحيد القادر على إدارة الأزمات ورسم الخرائط وتغييرها، يتبين في العمق أن الواقع ليس كذلك تماماً، وأن تلك الصورة تكاد تكون مولدة ولا تعكس الحقيقة كاملة.
صحيح أن الضجيح الإعلامي الأمريكي وبراعته في استخدام تقنيات صناعة المشهديات السياسية واستقطاب الأضواء، لا تضاهيه قوة أخرى في هذا المجال، إذ يعتمد على بنية تحتية إعلامية ضخمة ومتطورة وعريقة، تشمل شبكات إخبارية كبرى وشركات تكنولوجيا عملاقة، مثل منصات التواصل الاجتماعي، التي تُمكّن من نشر المعلومات بسرعة هائلة وعلى نطاق واسع وتسهم بفاعلية في التأثير في الرأي العام. لكن التسليم بأن اللاعب الأمريكي، وبناء على هذه القدرات الفائقة، قادر وحده على إدارة العالم وتقرير مصائر أممه وقضاياه، غير ممكن لسببين على الأقل، الأول أن الصورة المصطنعة تضخم الواقع وتضيف له الكثير من الإثارة والجمالية وصولاً إلى الترويع والرعب، أما الثاني، فإن المسرح العالمي لم يعد يسمح بلاعب واحد، بالنظر إلى صعود القوة الصينية المتنامية وعودة روسيا بأولويات وطموحات وأجندات وطنية لا أيديولوجية كما كانت زمن الاتحاد السوفييتي.
ترسخ في الذاكرة لعقود أن هناك قوتين عظميين هما الولايات المتحدة، زعيمة المعسكر الغربي، وروسيا، التي تمتلك ثاني جيش في العالم وصاحبة أكبر ترسانة نووية. وفي السنوات الأخيرة بدأت الصين تصعد إلى الركب العالمي، مكتنزة بكل معالم القوة وتنافس على المرتبة الأولى، اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وتحافظ على غموض استراتيجي وكأنها في قارة غير هذا الكوكب، وهي الحاضرة في كل مكان ومجال وموقفها حاسم في كل قضية، وبدل أن تجاري الضجيج الأمريكي تعتمد الصمت، الذي يبدو أحياناً أكثر بلاغة من الثرثرات الإعلامية والسياسية التي ينتهجها خصومها.
ومن المثير للاهتمام والتعجب أن الصين بدت منذ بداية هذا العام قليلة التصريح والتعليق على قضايا تمس مصالحها الحيوية في الصميم. وكانت القضية الأولى مع خطف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي تمثل بلاده إحدى ركائز الحضور الصيني في أمريكا الوسطى والجنوبية، والإعلان الأمريكي بأن تلك العملية غايتها ضرب نفوذ بكين في تلك المنطقة.
والثانية مع الأزمة المتفاعلة بين الولايات المتحدة وأوروبا حول جزيرة غرينلاند الدنماركية الذي يصمم دونالد ترامب على ضمها طوعاً أو كرهاً، معللاً ذلك بأنه إذا لم يفعل، فإن روسيا أو الصين ستسيطران عليها. وبينما واجهت موسكو ذلك ببعض السخرية و«الانتظار على الربوة»، كان الموقف الصيني يوحي بالحياد ويتجنب الدخول في سجال علني مع واشنطن، لكنه في العمق كأنه يدبر أمراً، والحال ذاتها تنطبق على الأزمة التي تتأرجح من التبريد إلى التسخين بين الولايات المتحدة وإيران، أحد حلفاء الصين في منطقة حيوية ومصيرية للعالم أجمع.
غموض الموقف الصيني وصمته البليغ، ليس وليد ضعف وعجز، وإنما نمط من التعامل والصبر وتفكير خارج الصندوق، تماماً كما يفعل ترامب بتجاوزه على القواعد التقليدية للنظام الدولي والعرف السياسي الأمريكي. وفي عالم لم يعد كما كان، ستتحكم المفاجآت في مجرياته وأزماته، وقطعاً لن تظل الولايات المتحدة تلعب منفردة، وربما ستتحين الصين اللحظة الحازمة وينطق صمتها بما لم يكن في الحسبان.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى