رأي

الشراكة السعودية – الأميركية كرست الرياض كوسيط دولي موثوق

كتب د. عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب, في العرب:

السعودية عززت قدراتها الدفاعية بدبلوماسية رصينة متوازنة ومرنة تجمع بين القوة الناعمة والقوة الصلبة مع التركيز على التوازن بين القوى العالمية والمبادرات الإنسانية لتعزيز مكانة المملكة كمركز عالمي مؤثر.

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 4 كانون الأول – ديسمبر عن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، التي ترسخ مبدأ “أميركا أولاً” كركيزة أساسية للسياسة الخارجية. تنتقد الوثيقة إدارات سابقة بسبب إهدار الموارد الأميركية في حروب لا تنتهي، خصوصاً في الشرق الأوسط، وتضع بدلاً من ذلك مبدأ تقاسم الأعباء مع الحلفاء. وهذا لا يعني الانسحاب من الشرق الأوسط، لكنه لم يعد أولوية استراتيجية كبرى، خصوصاً مع انحسار التصعيد في الملف الإيراني.

تقدم الوثيقة صورة جديدة عن الشرق الأوسط، بعيدة عن الصورة القديمة كساحة منافسة بين القوى الكبرى، وتستبدل هذه النظرة بتعزيز نظام “لوكاس” وفق مفهوم تقاسم الأعباء، إذ يمكن نقل التكنولوجيا لتطوير القدرات الذاتية ضد التهديدات المشتركة. كما ترى المنطقة مكاناً للشراكة والصداقة والاستثمار، ومحوراً لفرص اقتصادية في مجالات كثيرة. وتنص الوثيقة بشكل صريح على تعزيز التعاون والشراكة مع السعودية، وهي استراتيجية تقوم على تحول جذري في أولويات سياسة واشنطن الخارجية، عبر نقل وإعادة تركيز القوة من الساحة العالمية إلى الجوار الإقليمي، وهي رؤية أميركية خارجة عن المألوف.

المواقف السياسية السعودية خلال عام 2025 شكلت تكريساً لمصالحها التي تضمنت تموضعها كوسيط دولي موثوق للقوى العظمى وبشكل خاص في مواصلة الدفع نحو حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية

أثارت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية صدمة في أوروبا، إذ تؤسس لتغيير جذري في عقيدة واشنطن الخارجية، حيث لم تعد القارة العجوز أولوية استراتيجية. وما كان يثار أو يهمس خلف الأبواب المغلقة، أماطت الوثيقة اللثام عنه وأصبح معلناً بشكل رسمي. وسيكون لذلك تداعيات على عدد من الملفات الاستراتيجية المهمة بالنسبة لأوروبا، كالحرب في أوكرانيا على سبيل المثال لا الحصر. هذه المخاوف تتعزز مع الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة، التي تكشف أن سياسة واشنطن تشمل تقويض الحكومات الأوروبية، وإضعاف الاتحاد الأوروبي برمته، ومنع توسيع حلف الناتو. وبدلاً من معاملة الحلفاء الأوروبيين كشركاء يقتسمون مع الأميركيين قيماً مشتركة، تفضل إدارة ترامب أن تجعلهم أقرب إلى نموذج المجر.

شكلت المواقف السياسية السعودية خلال عام 2025 تكريساً لمصالحها، التي تضمنت تموضعها كوسيط دولي موثوق للقوى العظمى، وبشكل خاص في مواصلة الدفع نحو حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية. وواصلت السعودية مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية في المنطقة، مؤكدة عبر سلسلة من المواقف المتتالية رفضها للإجراءات الإسرائيلية التي تجاوزت الحرب في غزة لتصل إلى انتهاكات سيادة عدد من الدول، منها سوريا وقطر وإيران، بجانب مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية.

برزت القمتان السعودية ـ الأميركية خلال الزيارتين التاريخيتين، الأولى في أيار – مايو للرئيس الأميركي إلى الرياض، والثانية للأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في تشرين الثاني – نوفمبر 2025، لتكشفا بشكل جلي المكانة الدولية الاستثنائية التي تتمتع بها الرياض في ذلك العام. واعتبر الرئيس ترامب أثناء زيارته السعودية أن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، أفضل من يمثل حلفاء الولايات المتحدة الأقوياء، ورأى أن قيادته للشرق الأوسط بمثابة “فجر رائع”، باعتبار أن السعودية قلب ومركز العالم، وأن الرياض في طريقها لتصبح مركز أعمال العالم بأسره. بل اعتبر السعودية حليفاً رئيسياً خارج الناتو، منوهاً بقدراتها التفاوضية، ومؤكداً أنهم “مفاوضون رائعون”.

أما في الملف السوري، فقد شهد العالم تحركات تغيير جذري نتيجة الدور السعودي الفاعل في دعم هذا التحول، بما انعكس على تعافي سوريا والاعتراف الدولي بقيادتها الجديدة ودعمها أيضاً. واستجاب الرئيس ترامب أثناء زيارته للرياض لطلب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برفع عقوبات “قيصر” عن سوريا، إضافة إلى تسديد الديون المستحقة على سوريا للبنك الدولي بنحو 15 مليون دولار، علاوة على تغطية جزء من رواتب موظفي الحكومة عبر مبادرة مشتركة مع قطر والأمم المتحدة.

على المستوى الدولي، استضافت السعودية في الدرعية في شباط – فبراير 2025 محادثات بين الولايات المتحدة وروسيا برعاية سعودية لتحسين العلاقات بين البلدين. اعتبرت أميركا هذه الاستضافة خطوة مهمة إلى الأمام، فيما اعتبرتها روسيا محادثات ناجحة. كما استضافت جدة في مارس مباحثات أميركية ـ أوكرانية برعاية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حتى أن المتحدث الإقليمي لوزارة الخارجية الأميركية صرح بأن العالم أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى التوصل لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا بعد المفاوضات السعودية.

التعاون الدفاعي بين واشنطن والرياض شراكة عملية قائمة على مصالح مشتركة أكثر منها تبعية. وهذا التعاون لا يقتصر على صفقات السلاح، بل يتضمن تبادل معلومات استخباراتية، وتنسيقاً تكتيكياً في حماية الممرات البحرية

ساهمت الوساطة السعودية في مايو 2025 في احتواء التوتر بين باكستان والهند. وشدد أحمد فاروق، سفير باكستان لدى السعودية، على أن المملكة لعبت دوراً حاسماً في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكداً أن السعودية انخرطت بشكل فاعل منذ البداية وقامت بدور الوسيط. واعتبر أن جهود السعودية في بناء السلام في العديد من النزاعات الدولية برهان على نفوذ قيادتها المتزايد، والاحترام الذي تحظى به داخل المنطقة وخارجها. كما تؤكد هذه الجهود أن السعودية قوة خير تقود من الأمام في تعزيز السلام حول العالم.

ووفق المعهد الأطلسي، فإن التعاون الدفاعي بين واشنطن والرياض شراكة عملية قائمة على مصالح مشتركة أكثر منها تبعية. وهذا التعاون لا يقتصر على صفقات السلاح، بل يتضمن تبادل معلومات استخباراتية، وتنسيقاً تكتيكياً في حماية الممرات البحرية، وجهوداً مشتركة لبناء قدرات دفاعية داخلية لدى السعودية.

أثناء زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن، لعب دوراً في إقناع ترامب بضرورة وقف الحرب في السودان، الأمر الذي دفع واشنطن إلى زيادة انخراطها لوقف الحرب. وفي ديسمبر 2025، وعلى خلفية التحركات العسكرية التي قام بها “الانتقالي الجنوبي” في محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن، أرسلت السعودية وفداً أمنياً برئاسة اللواء محمد القحطاني، أكد أن السعودية تقود تحالف دعم الشرعية، وتبذل جهوداً لإنهاء الأزمة وحل الصراع وعودة الأوضاع إلى سابق عهدها.

السعودية عززت قدراتها الدفاعية بدبلوماسية رصينة رسختها بمواقف أكسبتها القطعية. وهي دبلوماسية متوازنة، مرنة وتعددية، تجمع بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، مع التركيز على التوازن بين القوى العالمية والمبادرات الإنسانية، مدعومة بقدرات احترافية لتعزيز مكانة السعودية كمركز عالمي مؤثر.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى