رأي

السودان: سلام عادل أم إعادة إنتاج للمأساة؟

محمد الصالحين الهوني – العرب:

مستقبل السودان مرهون بسلام عادل يعالج جذور الأزمة، ودون عدالة ومحاسبة ستبقى المبادرات الاقتصادية مجرد مسكنات ويظل خطر الانفجار قائما في أي لحظة.

حين يخوض بلد حربا، فإن الأنظار تتجه عادة إلى أعداد القتلى والجرحى، إلى خرائط المواقع العسكرية، وإلى البيانات السياسية المتبادلة بين الأطراف المتصارعة. لكن السودان يخوض حربا من طبيعة مختلفة، حربا لا تقتل البشر فحسب، بل تفتك بالذاكرة الجمعية، وتنهك الاقتصاد، وتغتال فكرة المستقبل برمّتها. فبعد ما يقارب العامين من الاقتتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يعد السؤال الأبرز هو متى ستضع المعارك أوزارها، بل ما الذي سيتبقى من السودان بعد أن تنتهي هذه الحرب؟

ما يجري اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو تفكيك منهجي لمقومات الحياة. في بلد كان يُعرف يوماً بأنه سلة غذاء العالم العربي، تشير التقارير إلى تراجع الإنتاج الزراعي بأكثر من أربعين في المئة، مع خسائر تجاوزت عشرة مليارات دولار في هذا القطاع الحيوي وحده. مشروع الجزيرة، الذي كان يوماً صرحاً زراعياً يغذي المنطقة بأكملها، خرجت أكثر من نصف مساحته عن دائرة الإنتاج. بنوك الجينات التي كانت تحفظ آلاف الأصناف الزراعية النادرة تعرضت للتدمير، والآلات الزراعية نُهبت وبيعت في دول الجوار. أما المزارعون، الذين شكلوا العمود الفقري للاقتصاد السوداني، فقد هجروا أراضيهم وفقدوا محاصيلهم ومعداتهم، ليجدوا أنفسهم فجأة ضمن قوائم الانتظار الطويلة للمساعدات الإنسانية.

إعادة الإعمار وحدها لا تكفي بل المطلوب إعادة تأسيس حقيقية للدولة على أسس مدنية عادلة تأخذ في الاعتبار مصالح جميع المكونات ولا تكرس التهميش الذي قاد إلى الحرب أصلا

غير أن ما يحدث للزراعة، على فداحته، ليس سوى جزء من مأساة أكبر تطال الناس أنفسهم. الحرب جرفت الطبقة الوسطى السودانية تقريباً بالكامل، تلك الطبقة التي كانت تشكل الجسر بين الأغنياء والفقراء، والمحرك الحقيقي للاقتصاد. اليوم، وبحسب خبراء الاقتصاد، تنحدر قطاعات جديدة من هذه الطبقة يومياً نحو هوة الفقر، فيما تستفيد فئة محدودة من تجار الحروب ومحتكري السلع من استمرار هذا الواقع المرير. الجنيه السوداني فقد نحو خمسة وثمانين في المئة من قيمته، والتضخم يلتهم ما تبقى من مدخرات المواطنين، والرواتب توقفت في مناطق واسعة من البلاد، ليصبح البقاء على قيد الحياة هو التحدي الأكبر.

وإذا كان الجوع والفقر هما الوجه المرئي لهذه الكارثة، فإن هناك وجهاً آخر أكثر خفاءً لكنه لا يقل تدميراً: تدمير الذاكرة الوطنية والنسيج الاجتماعي. نهب بنوك الجينات وتدمير معامل البحوث الزراعية لم يكن مجرد اعتداء على الحاضر، بل على المستقبل أيضا. توقف التعليم في مناطق الصراع حرم ما بين ثلاثة وأربعة ملايين طفل من فرصة الالتحاق بالمدارس، وهو ما يعني خسارة جيل كامل. استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، والاغتصاب والاختطاف بشكل منهجي، يضرب في عمق الكرامة الإنسانية ويترك ندوباً لا تمحى في جسد المجتمع.

ومن أخطر ما تنتجه هذه الحرب إعادة تشكيل التوزيع الديموغرافي والاجتماعي للبلاد. أكثر من اثني عشر مليون شخص أجبروا على النزوح، وغالبيتهم من النساء والأطفال. هذا النزوح القسري لا يعني فقط معاناة إنسانية يومية، بل يعني أيضا تمزيق الروابط الاجتماعية التي كانت تجمع المجتمعات المحلية، وتفكيك علاقات الجوار والتعاون التي استمرت لعقود. ولأن النساء يتحملن العبء الأكبر في الإنتاج الزراعي وإعالة الأسر، فإن نزوحهن وحرمانهن من فرص العمل يعني انهيار المنظومة الغذائية للأسر الريفية بكاملها.

في خضم هذا الدمار، تبرز مبادرات محلية ودولية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. مشروع “ثبات” الذي يديره البنك الدولي يسعى إلى إعادة تنشيط الإنتاج الزراعي في ولايات أكثر استقرارا، عبر توفير البذور والأسمدة ودعم آلاف المزارعين. مبادرات تتضمن وقفا شاملا لإطلاق النار وتجميع المقاتلين في معسكرات محددة، مع برامج لنزع السلاح وإعادة الدمج. لكن السؤال الجوهري يظل معلقا: هل تكفي هذه المبادرات؟ وهل يمكن لأي جهد إنقاذي أن ينجح في ظل استمرار القتال وغياب الإرادة السياسية الحقيقية لوقف الحرب؟

المراوحة بين الحرب والسلام في السودان لم تعد تحتمل المزيد من الانتظار. فكل يوم يمر يدفع فيه المدنيون الثمن الأغلى. كل يوم تتعمق فيه الانقسامات الاجتماعية، وتنهار فيه مؤسسات الدولة أكثر

المعضلة الكبرى تكمن هنا. فكل المبادرات الاقتصادية، وكل خطط إعادة الإعمار، وكل مشاريع الدعم الزراعي، ستبقى مجرد مسكنات مؤقتة إذا لم ترتبط بعملية سلام حقيقية تعالج جذور الحرب. الحديث عن “التعافي الاقتصادي الشامل” دون وقف شامل لإطلاق النار يظل شعارا فارغا. توفير البذور والأسمدة للمزارعين لا يكفي إذا كانت الطرق غير آمنة للوصول إلى الأسواق. دعم المشاريع الصغيرة في الريف لا يجدي إذا ظل خطر العنف والنهب قائما. والأهم من ذلك، إن أي حديث عن المستقبل لا يمكن أن يكون ذا معنى في ظل غياب العدالة للضحايا، وغياب المحاسبة لمن ارتكبوا جرائم حرب وانتهاكات جسيمة.

إن تجاهل المجتمع الدولي للجذور الاقتصادية والاجتماعية لهذه الحرب وصفة مؤكدة لفشل أي عملية سلام مستقبلية. فالحرب في السودان لم تنشأ من فراغ، بل هي نتاج تراكمات طويلة من التهميش وعدم المساواة وغياب العدالة. وإذا توقفت المعارك غداً دون معالجة هذه الجذور، فإن البلاد ستظل مرشحة لانفجار جديد بعد سنوات قليلة. إعادة الإعمار وحدها لا تكفي، بل المطلوب إعادة تأسيس حقيقية للدولة على أسس مدنية عادلة، تأخذ في الاعتبار مصالح جميع المكونات، ولا تكرس التهميش الذي قاد إلى الحرب أصلا.

ويبقى الشباب العنوان الأبرز في هذه المعادلة الصعبة. فالشباب السوداني، الذي كان في طليعة ثورة ديسمبر المجيدة، والذي خرج إلى الشوارع مطالباً بالحرية والسلام والعدالة، هو اليوم أكثر الفئات تضرراً من الحرب. بطالة متزايدة، تعليم متوقف، صدمات نفسية عميقة، وشعور متنامٍ بالاغتراب وفقدان الانتماء إلى وطن عاجز عن احتضان أبنائه. إن أي تخطيط لمستقبل السودان لا يضع هؤلاء الشباب في مركز القرار، لا في الهامش، هو تخطيط أعمى محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ.

المراوحة بين الحرب والسلام في السودان لم تعد تحتمل المزيد من الانتظار. فكل يوم يمر يدفع فيه المدنيون الثمن الأغلى. كل يوم تتعمق فيه الانقسامات الاجتماعية، وتنهار فيه مؤسسات الدولة أكثر، ويبتعد فيه حلم السودان الموحد القوي. أمام السودان اليوم خياران لا ثالث لهما: إما تخطيط استراتيجي شامل يتعلم من دروس الماضي، يوحد الصفوف، ويعيد بناء الدولة على أسس عادلة، مع وضع احتياجات الفئات الأكثر تضرراً وفي مقدمتها النساء والشباب في صلب الأولويات، وإما استمرار الحلقة المفرغة، وإعادة إنتاج الأخطاء ذاتها، ودفع الثمن مرة تلو الأخرى حتى يتبقى من السودان مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى