الحياد الكويتي في الأزمات الخليجية: أسبابه ودوافعه ونتائجه

الحكماء في دوائر القرار يولونه أهمية ويتفهمونه تماماً لأنه جسر لإعادة التوافق والمصالحة
كتب سعد بن طفلة العجمي , في اندبندنت عربية:
حياد الكويت ثروة خليجية قبل أن يكون رصيداً خاصاً بها في سجلها الدبلوماسي، وعلى كل من يؤمن بالمصير الخليجي المشترك أن يقدر هذا الحياد ويثمن هذا الرصيد الذي هو ملك لأهل الخليج ودوله من دون استثناء.
الحياد نهج كويتي ثابت في الأزمات العالمية والعربية ومنها الخليجية، وقد رصّعت الكويت سجلاً ناصعاً وصعباً من الحياد الإيجابي خلال الأزمات العربية والخليجية في الماضي، وهو إرث تراكم وثروة من السمعة الحسنة التي لا يمكن للكويت التفريط فيها مهما بلغ العتب لدى بعض المحبين، ومهما حوّر بعض المبغضين ونافخي الكير الحياد انحيازاً وتخاذلاً، ولهذا النهج الثابت أسبابه ودوافعه ونتائجه التي تتلخص في الآتي:
الحياد موقف إستراتيجي للكويت كدولة صغيرة لا تريد أن تكون طرفاً في أية نزاعات، بل تحاول أن تلعب دور الوسيط لحل الأزمات متى ما أمكنها ذلك، وقد راكمت إرثاً تاريخياً على مدى أكثر من خمسة عقود عبر الوساطة بين الدول العربية والخليجية المختلفة، ولمع نجم الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح كواحد من أطول من خدموا الدبلوماسية الخارجية لبلادهم، وزيراً للخارجية مدة 40 عاماً، أطفأ خلالها حرائق مشتعلة من الخلافات العربية – العربية.
الحياد الكويتي في الأزمات الخليجية بالذات أكثر أهمية إستراتيجية بالنسبة إلى الكويت التي ترى في دول الخليج جميعاً عمقاً إستراتيجياً وبعداً لأمنها الوطني ووجودها السياسي، وتتمسك بهذا الحياد ولسان حالها يردد “إن رفعتها للشارب وإن طمنتها في اللحية”.
يدرك العقلاء في الخليج أن الأزمات بين الدول ليست دائمة وسرمدية وأن المعطيات والظروف تتغير، ونتيجة لذلك تتغير المواقف والسياسات، وكمّ من الأزمات اندلعت بين دول الخليج وجرى تلافيها وأصبحت طي النسيان، ولذلك فحكماء دوائر القرار في الدول الخليجية، وما أكثرهم، يولون أهمية خاصة للحياد الكويتي ويتفهمونه تماماً، لأنه جسر إعادة التوافق والمصالحة بين الدول الخليجية المتخاصمة، فدول كثيرة مثل إيران وتركيا وبريطانيا وأميركا وغيرها يمكن أن تعلن الحياد في الأزمات الخليجية، ولكن ليس بينها من تثق به الدول الخليجية المختلفة كثقتها بالكويت والحيادية الكويتية، متى ما نضجت الظروف لتجاوز الخلافات بين الأشقاء الخليجيين.
للحياد الكويتي ثمنه، فغالباً ما يزعل هذا الطرف “ويتشره” ذاك، وفي الحياد “الزعلان أكثر من الراضي” كما يقولون، ولكن هذا ثمن تدفعه الكويت، ليس نظير حيادها وحسب، بل من أجل بقائها واستقلال قرارها وحريتها التي دفعت من أجلها دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، الغالي والنفيس، فالكويت ترى في الحياد مسألة وجودية لها، وأنها متى ما انحازت فقدت قوتها الناعمة وقدرتها على حل الأزمات ونزع فتائلها، وأنها بانحيازها في الأزمات الخليجية تفتح الباب للآخرين من خارج الخليج ليأخذوا دورها الطبيعي “كواسطة خير” بين الأشقاء، وليس أفضل من الشقيق لشقيقه، فالدم لا يصير ماء، ولا أصدق من الكويت لأشقائها الخليجيين عرفاناً واعترافاً بدورهم في نجدتها عام 1990 حين غزاها العراق واحتلها، فالوساطة الكويتية بين الأشقاء ليست كوساطة البعيد مهما قويت الروابط، وكما يقول الشاعر المصري أمل دنقل:
أقلب الغريب كقلب أخيك…؟ أعيناه عينا أخيك…؟
قد ينسى الناس أو يتناسون حيادك بعد زوال الأزمة وتصالح المختلفين، لكن من انحزت ضدهم لن ينسوا انحيازك، وقد يجري التصالح بالسرعة نفسها التي اندلعت بها الأزمة: زيارتان متبادلتان “وحبة خشم” ثم “طاح الحطب”، وبعد التصالح “يطلع المنحاز بالشينة”، ويفقد رصيداً من الرصانة والحصانة يصعب تعويضه.
صحيح أن الدبلوماسية الكويتية الخارجية منكفئة منذ رحيل الشيخ صباح الأحمد، ولكنها تمتلك خبرة تراكمت على مدى عقود يمكن استثمارها للمصلحة الخليجية العامة متى ما نضجت الظروف وطُلب استثمار تلك الخبرة، والتلاحم الخليجي، مهما اشتدت الأزمات وكثرت الخلافات، هو المصد الحقيقي للأخطار المحدقة بدول الخليج العربية، وبقاء أمل تجاوز الخلافات، والإيمان بأن ما بين دول وشعوب الخليج أقوى وأمتن من خلافات طارئة وأزمات مفاجئة، هو الأمل بتلافي الخلافات وحل الأزمات.
حياد الكويت ثروة خليجية قبل أن يكون رصيداً خاصاً بها في سجلها الدبلوماسي، وعلى كل من يؤمن بالمصير الخليجي المشترك أن يقدر هذا الحياد ويثمن هذا الرصيد الذي هو ملك لأهل الخليج ودوله من دون استثناء.




