الحكومة في ثقافة المصريين

كتب عماد رحيم في صحيفة الأهرام.
مع إعلان التشكيل الجديد للحكومة؛ وخروج عدد من الوزراء؛ ودخول عدد آخر؛ بادر البعض بعمل قياسات التحليل لأسباب الخروج؛ وأيضًا لأسباب دخول الوزراء الجدد؛ وتحليل لخبراتهم ومؤهلاتهم.. إلخ.
إلا أن هناك قطاعات متباينة تنظر للحكومة نظرات مختلفة. أدلل عليها ببعض المشاهد المؤثرة في الأعمال الفنية الشهيرة. كمسرحية “شاهد ما شافش حاجة” للنجم عادل إمام. في جملته الشهيرة “انتو الحكومة والحكومة عارفين كل حاجة”.
تلك نظرة عدد كبير من المواطنين؛ نظرتهم للحكومة؛ نظرة تسليم وثقة في قدرات وإمكانات الحكومة؛ فهي مالكة الزمام وتعي جيدًا ما تفعل؛ وأي مقارنة بينها وبين أي كيان آخر أيًّا كان حجمه؛ الغلبة بكل تأكيد للحكومة.
نسبة ليست قليلة من هؤلاء تثق بقرارات الحكومة؛ يقينًا بأنها تعلم ما لا يعلمه غيرها؛ فدائمًا عندها الخبر اليقين. هؤلاء حينما لا تتحقق توقعاتهم؛ يصابون بخيبة أمل كبيرة؛ قد تسبب لهم الإحباط في بعض الأحيان.
مشهد آخر جسده الفنان أحمد السقا في فيلم الجزيرة الجزء الأول بحرفية رائعة. حينما أعلن عن قوته “أنا الحكومة” لتوضيح مدى قوته. فالحكومة عند قطاع كبير يمثله منصور الحفني في هذا الفيلم المهم؛ هي القوة الحاكمة والمسيطرِة بشكل تام على كل مجريات الأمور. وهي التي تنفذ القانون وتطبقه، وتضع قبضتها الكاملة على كل مجريات الأمور.
تعامل هذا القطاع مع الحكومة؛ تعامل تشوبه عدة معايير؛ لعل أهمها الشعور بالرهبة من الحكومة نتيجة قوتها الكبيرة؛ فلو تغير هذا الشعور لبرهة؛ لخرج المارد وأطلق لنفسه العنان لفعل ما يحلو له.
المشهد الأول يمثل السواد الأعظم من الناس؛ خلاف المشهد الثاني؛ يمثل عددًا أقل بكل تأكيد؛ لكنهم دائمو التحفز. للخروج من القمقم الذي يعيشون فيه.
بين هذين النموذجين؛ هناك نماذج متفرقة لسياسيين ومجموعة من التكنوقراط؛ عندهم وجهة نظر مختلفة للأمور من منظور ممارسة الحياة السياسية والعملية؛ لذلك تجد لهم وجهة نظر؛ غالبًا مغلفة بمنطق وجيه؛ نابع من واقع حي.
وهناك نموذج للمواطن البسيط؛ لا يعنيه أي وزير يمسك الوزارة. جل اهتمامه أن يحقق الاكتفاء الذاتي لأسرته من دخله الذي قد لا يكفي من مستلزمات حياتية بسيطة؛ كأكل وشرب وإيجار مسكن ومصروفات المياه والكهرباء والتعليم والصحة .. إلخ.
لم نتحدث عن رؤيته للمستقبل؛ ولا كيفية تأمينه؛ هو يعتبر تلك النظرة من الرفاهيات؛ التي لا يجوز له العيش فيها ولو لبرهة من الوقت. لعلي أوضحت أن حلمه أن يمر يومه بهدوء؛ لأن ظروفه المادية صعبة؛ وكلنا يعلم أن هناك نسبة ليست بالقليلة تعيش تحت خط الفقر. تلك النسبة هي ملايين من المصريين! هذا النموذج تحديدًا ليس لديه ما يخسره؛ حال تملك الإحباط منه. لذلك من المهم جدًّا جدًّا. التعامل معه ومع احتياجاته بشكل احترافي تام. فلا بد من تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة له؛ والحفاظ على سلامه الاجتماعي؛ حتى يظل عنصرًا نافعًا ومفيدًا في المجتمع. أما الطبقة المضادة؛ التي تملك من الإمكانيات الكثير؛ تملك منزلاً واثنين وسيارة وأكثر؛ فلديها يسر في الحياة؛ ما تخشاه أن تفقد جزءًا من تلك المميزات؛ فتجدها تسعى لتعزيزها دائمًا؛ من أجل الحفاظ على المكتسبات.
وآخر نموذج أشير إليه؛ هي الطبقة المتوسطة؛ تملك بعض الإمكانيات؛ تعمل كرمانة ميزان للمجتمع؛ لأنها السبب الرئيس في الحفاظ على تماسكه؛ بسبب الظروف الاقتصادية الطاحنة التي شهدتها البلاد؛ تقلص عددهم. وحيثما تقلص؛ تأكلت رمانة الميزان؛ وهذا من شأنه خلخلة تماسك المجتمع.
لذلك لا بد من الحفاظ على تلك الطبقة؛ ودعمها بشكل جيد ومستمر. إذا أردنا مجتمعًا متماسكًا ،،
ولنا لقاءات قادمة نكمل فيها حديثنا.




