الحرب مع إيران لن تُعيد تشكيل المنطقة بالطريقة التي تريدها الولايات المتحدة

داليا داسا كاي – “فورين أفيرز” الأميركية:
يتناول مقال صحيفة “فورين أفيرز” الأميركية تداعيات الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إيران بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدخول في مواجهة عسكرية بدل المسار الدبلوماسي.
في محاولةٍ منه لإثبات قدرته على فعل ما لم يفعله أي زعيم أميركي من قبل، اختار الرئيس دونالد ترامب الصراع على حساب الدبلوماسية، ودخل في حربٍ مع إيران. وإدراكًاً منها لخطورة هذا الصراع الوجودي، ردّت الجمهورية الإسلامية سريعاً بهجماتٍ صاروخية وطائراتٍ مسيّرةٍ داميةٍ على “إسرائيل”، والقواعد الأميركية في “الشرق الأوسط”، وأهدافٍ في دول الخليج وخارجها.
لقد تحوّلت هذه الحرب الآن إلى حربٍ إقليميةٍ ذات تداعياتٍ عالمية، تُعطّل أسواق النفط والأسواق المالية، وسلاسل التوريد، والتجارة البحرية، وحركة النقل الجوي.
وتتزايد التهديدات التي تُحدق بالأميركيين، ويرتفع عدد الضحايا في إيران ساعةً بعد ساعة. كانت هذه المخاطر المتنامية متوقعةً قبل اندلاع الحرب بوقتٍ طويل، وهو ما قد يُفسّر سبب عدم لجوء أي رئيسٍ سابقٍ للولايات المتحدة إلى هذا المسار المحفوف بالمخاطر.
لا يزال مصير هذه الحرب غامضاً. ولكن عندما تنتهي، ستضطر الولايات المتحدة إلى مواجهة ما سيأتي. ويبدو أن إدارة ترامب، بقدر ما فكّرت في خططٍ لما بعد الحرب، قد وضعت سلسلةً من الافتراضات المتفائلة بشكلٍ مفرطٍ حول كيفية إعادة تشكيل الحرب لإيران و”الشرق الأوسط”.
أولاً، أصرّت إدارة ترامب، بما في ذلك في منشور ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 28 فبراير/شباط الذي أعلن فيه الحرب،على أن التدهور المستمر للقيادة الإيرانية وقدراتها العسكرية سيُضعف النظام بما يكفي ليتمكن الشعب الإيراني من الانتفاضة و”تولي زمام الحكم”.
وحتى لو لم يحدث ذلك، فإن منطق الإدارة يرى أن إيران ستُجرّد من قوتها، وستنشغل بمشاكلها الداخلية لدرجة أنها لن تعود قادرة على تشكيل “تهديد للمنطقة” أو للمصالح الأميركية. وتفترض واشنطن أن إخراج النظام الإيراني الحالي من المعادلة سيُزيل أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار الإقليمي، ويُمهّد الطريق لشرق أوسط جديد يُناسب مصالح الولايات المتحدة.
لكن من المرجح أن تكون نتائج هذه الحرب أقل بكثير من هذه التوقعات المتفائلة. فبعد انتهاء القصف، قد تبدو إيران والمنطقة أسوأ، أو على الأقل لن تكونا أفضل، مما كانتا عليه قبل الحرب. وقد يُؤدي القتال إلى فراغ في السلطة في طهران، وإلى توتر علاقات حلفاء الولايات المتحدة مع واشنطن، وإلى تداعيات على الصراعات في أماكن أخرى من العالم، كل ذلك دون إزالة مصادر الصراع الإقليمي التي لا علاقة لها بالنظام في إيران. وتزداد المخاطر كلما طالت الحرب، لذا يجب على “الكونغرس” وحلفاء الولايات المتحدة الضغط من أجل وقف إطلاق النار الآن إذا كان هناك أي أمل في التخفيف من هذه المخاطر التي ستلي الحرب.
القصة نفسها تتكرر
قلما يحزن أحد في الولايات المتحدة على زوال نظام إيراني تأسس على أيديولوجية معادية للولايات المتحدة ويدعم الحركات المسلحة المناهضة لواشنطن منذ فترة طويلة. فالعداء الأميركي الإيراني مستمر منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وقد تجاوز الآن مدة الحرب الباردة. ولكن مهما تمنت واشنطن زوال الجمهورية الإسلامية، فمن غير المرجح أن ينجح استبدال النظام بنظام موالٍ للولايات المتحدة بالقوة العسكرية. فإيران ليست فنزويلا، حيث تنتظر شخصية مثل ديلسي رودريغيز الفرصة لتنفيذ أوامر واشنطن. وفي أعقاب استهداف الولايات المتحدة و”إسرائيل” لكبار قادة إيران، أقر ترامب بأن “معظم من كنا نضعهم في اعتبارنا [كقادة محتملين جدد] قد ماتوا”.
أحد الخيارات التي يفضلها البعض في واشنطن والجالية الإيرانية في الخارج هو محاولة تنصيب شخصية موالية للولايات المتحدة في المنفى، مثل رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، الذي ساعدته الولايات المتحدة في الوصول إلى السلطة وأُطيح به في ثورة 1979. لكن مستوى الدعم الذي يحظى به بهلوي داخل إيران غير معروف؛ حتى أن ترامب نفسه أعرب عن شكوكه حول قبول الإيرانيين لقيادته. لم يظهر أي بديل واضح آخر من المعارضة الإيرانية المنقسمة. الأرجح أن يظهر حكم فصيل متشدد من حرس الثورة الإسلامي، أو انهيار النظام الذي يخلق فراغاً سياسياً، ويجر البلاد إلى فترة طويلة من الفوضى والعنف. لا يبشر أي من السيناريوهين بحكومة إيرانية أقل عدائية وأكثر براغماتية.
كما أن ضعف إيران لن يحل في حد ذاته المظالم والنزاعات المحلية التي تغذي الصراع في جميع أنحاء “الشرق الأوسط”. تلعب الدول العربية وتركيا أدواراً أكثر أهمية بكثير من إيران في الصراعات المستمرة في دول مثل ليبيا والسودان. بدأ “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني” قبل ظهور الجمهورية الإسلامية بفترة طويلة، ولن يؤدي سقوط النظام الإيراني إلى رأب الصدع الذي يغذيه. وفي الدول التي لعبت فيها إيران دوراً مهيمناً من خلال دعمها لجماعات في العراق، وحزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، فإن هذه الجماعات تُعنى ببقائها بقدر ما تُعنى ببقاء إيران. فلديها مشاريعها السياسية الداخلية ومصادر قوتها التي لا تعتمد على طهران وحدها: فصنعاء، على سبيل المثال، بنت شبكة إمداد واسعة النطاق، ووفرت تمويلًا غير إيراني لدعم إنتاج الأسلحة محلياً، كما طور حزب الله قدراته الخاصة على إنتاج الطائرات المسيرة.
لا يعني هذا أن إقصاء إيران من الساحة السياسية لا يُحدث فرقاً. سيشعر حزب الله بألمٍ شديدٍ من جراء تغيير القيادة في طهران، نظراً لحجم استثمارات إيران فيه. وقد أدى سقوط الرئيس السوري بشار الأسد، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، في أواخر عام 2024، إلى تعطيل تدفق الأسلحة والأموال من إيران إلى حزب الله عبر سوريا. إن فقدان الدعم الإيراني بالكامل، إلى جانب الضغط العسكري الناتج عن تجدد الهجوم الإسرائيلي في لبنان، سيزيد من استنزاف موارد حزب الله، مما يمنح الحكومة اللبنانية فرصةً لتقليص نفوذه.
لكن بشكل عام، لن يتم القضاء على هذه الحركات في المنطقة حتى لو هُزمت إيران. فقد تأججت المشاعر المعادية لـ”إسرائيل”، التي غالباً ما تدفع إلى تجنيد عناصر في جماعات مثل حزب الله، بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وعموم المنطقة، بما في ذلك قصفها المتجدد في لبنان. قد يُساعد هذا حزب الله على البقاء ويُحفز تشكيل جماعات مسلحة جديدة معادية لـ”إسرائيل” والولايات المتحدة. وستظل الجماعات المسلحة غير المدعومة من إيران – بما في ذلك الحركات المتطرفة مثل تنظيم “داعش” – تشكل تحدياً بغض النظر عن نتيجة هذه الحرب.
قد يتبين أن الأمل في أن تدفع الحرب دول المنطقة نحو مزيد من التقارب مع الولايات المتحدة أو نحو تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، حتى وإن لم تدفعها نحو طهران، لا أساس له من الصحة. فقد شنت إيران هجمات على القواعد العسكرية الأميركية في الخليج. هذه مناورة محفوفة بالمخاطر قد تُعزز فقط العداء الذي تشعر به دول عربية تجاه إيران، وقد تُعرقل التقارب الأخير بين إيران والسعودية والإمارات.
لكن نظرا لعلاقاتها الاقتصادية الوثيقة وقربها الجغرافي، ستظل دول الخليج بحاجة إلى الحفاظ على نوع من العلاقات مع إيران بعد انتهاء هذه الحرب. ولا يعني استياؤها من إيران بالضرورة أن الولايات المتحدة ستستفيد. بل قد تُؤجج الحرب الاستياء الشعبي تجاه الولايات المتحدة و”إسرائيل” في المنطقة. رغم أن دول الخليج لا تملك بديلاً عن الضمانات الأمنية الأميركية، فقد أبرز هذا الصراع خطورة استضافة القوات العسكرية الأميركية، وتحديداً أنها تضع هذه الدول في مرمى نيران مواجهة أميركية إسرائيلية إيرانية.
كان الهدف من القواعد الأميركية حماية دول الخليج من الهجمات الخارجية، لا استدراجها. وإذا اعتقدت هذه الدول أن الولايات المتحدة لم تدافع عنها بشكل كافٍ ضد الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، أو أنها فضّلت احتياجات “إسرائيل” الدفاعية على احتياجاتها، فقد يتفاقم الاستياء تجاه واشنطن.
من المرجح أن تُؤدي الحرب إلى تصاعد حدة المعارضة الإقليمية للتطبيع مع “إسرائيل”. فهناك بالفعل اعتقاد سائد بأن “إسرائيل” تشن هجمات عسكرية في أنحاء المنطقة دون رادع، سواء قرب “حدودها” أو في مناطق بعيدة مثل قطر، حيث استهدفت قيادة حماس في الدوحة في سبتمبر الماضي. ولا تزال الشعوب العربية غاضبة من الحرب في غزة وتهديدات “إسرائيل” بضم أجزاء من الضفة الغربية. وتُؤدي الحملة الإسرائيلية الحالية في لبنان إلى أزمة نزوح جديدة. وسيُلحق تعاون الولايات المتحدة مع “إسرائيل” في شن هذه الحرب مزيداً من الضرر بسمعتهما، كما أن القادة العرب في دول مؤثرة كالمملكة العربية السعودية يُدركون تماماً الرأي العام المُعارض للتطبيع.
وقد يكون للحرب أيضاً أثر غير مقصود يتمثل في تعريض بعض القادة السلطويين الذين تُعدّهم الولايات المتحدة من بين حلفائها للخطر، وهو ما قد يراه المهتمون بالديمقراطية وحقوق الإنسان جانباً إيجابياً. ففي البحرين، حيث النظام الملكي سني بينما يشكل الشيعة أكثر من نصف السكان، خرج بعض الناس إلى الشوارع للاحتفال بالهجمات الإيرانية الأخيرة داخل البحرين التي استهدفت القوات الأميركية. كانوا يعبّرون عن معارضتهم لحكومة قمعتهم لسنوات بدعم سعودي. لم يكن هناك مجال يُذكر لمثل هذه الاحتجاجات، أو لأي مطالبات بالمساءلة وسيادة القانون، منذ قمع انتفاضات “الربيع العربي” قبل أكثر من عقد من الزمان. لكن المظاهرات الأخيرة قد لا تكون نهاية الاضطرابات الشعبية في البحرين أو غيرها.
في غضون ذلك، تتسع التداعيات العالمية المدمرة للحرب لتتجاوز الصدمات المالية والتجارية المباشرة. وقد قُوّضت القوانين والأعراف الدولية التي تُقيّد استخدام القوة بالفعل بسبب نفاق الولايات المتحدة وأوروبا في إدانتهما الفورية للحرب الروسية في أوكرانيا، بينما لم تفعلا الشيء نفسه مع العدوان الإسرائيلي على غزة. والآن، تُقوّض الحملة الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، التي شُنّت دون دليل على هجوم إيراني وشيك يُبرّر استخدام القوة، هذه القوانين والأعراف بشكل أكبر.
وقد تستفيد كل من الصين وروسيا، رغم كونهما حليفتين اسميتين لإيران، من انشغال الولايات المتحدة بهذه الحرب. قد تعتقد الصين أن لديها فرصة سانحة لتصعيد الضغط على تايوان مع تحويل واشنطن لقدراتها العسكرية من آسيا إلى “الشرق الأوسط”، وهو جانب إيجابي قد يفوق مخاوف بكين بشأن انقطاع إمدادات النفط من “الشرق الأوسط” التي تعتمد عليها الصين. من جانبها، لا ترغب روسيا في رؤية حليف إقليمي آخر يُطاح به بعد سقوط نظام الأسد في سوريا. لكن الحرب في أوكرانيا تُمثل أولوية لروسيا، وقد تمنح الحرب على إيران موسكو ميزة مؤقتة على الأقل في هذا الصراع. في الواقع، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن تحويل الأسلحة الأميركية إلى “الشرق الأوسط” قد يُضعف قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها ضد روسيا.
السيطرة على الأضرار
لا يوجد حل سحري لتحقيق استقرار “الشرق الأوسط”. بل على العكس، قد تُفضي حربٌ اختياريةٌ تعد بـ”تحرير المنطقة من التهديد الإيراني” إلى عواقب لم تكن الولايات المتحدة تتوقعها، بل وتضر بمصالحها في نهاية المطاف.
والآن، وبعد اتخاذها القرار الخطير ببدء هذه الحرب، يتعين على إدارة ترامب بذل كل ما في وسعها للتخفيف من آثارها السلبية. سيتعين عليها مساعدة جيران إيران على الاستعداد لاستقبال اللاجئين لمنع تصاعد اضطرابات الحرب إلى أزمةٍ إنسانيةٍ أوسع. كما سيتعين عليها مساعدة دول المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد الهجمات غير المتوقعة، وتعزيز البنية التحتية التي تضررت أو دُمرت من جراء القصف الإيراني خلال الحرب.
في هذه المرحلة، يُعدّ السعي إلى أي شيءٍ يتجاوز السيطرة على الأضرار أمراً غير واقعي. لسوء الحظ، ورغم أن استطلاعات الرأي تُظهر معارضة غالبية الأميركيين للحرب، لا يزال الكثير من القادة الأميركيين يُعلّقون آمالاً خيالية على تشكيل “الشرق الأوسط” من خلال القوة الأميركية.
tفي الواقع، تتضاءل هذه القوة بفعل حرب أخرى متهورة ومكلفة. وبدلاً من أن تُسهم هذه الحرب في إرساء “شرق أوسط جديد”، يُرجّح أن تُطيل أمد “الشرق الأوسط” القديم، سواء طرأ تغيير على إيران أم لا. لقد حان وقت وضع حدٍّ لها.




